غلام قادر/ ناغبور
تشهد مدينة ناغبور والمناطق المحيطة بها هذه الأيام موجة حر شديدة، حيث تسجل درجات الحرارة مستويات قياسية غير مسبوقة. وفي ظل هذا الحر اللاهب الذي يجعل كثيرًا من الناس يترددون في الخروج من منازلهم، يبرز نموذج ملهم من كبار السن المسلمين الذين يواصلون نشاطهم وعطاءهم رغم الظروف المناخية القاسية. فقد انطلق عدد من كبار السن المسلمين في ناغبور في مهمة خاصة، يجوبون القرى والبلدات بصورة متواصلة، واضعين نصب أعينهم هدفًا واحدًا يتمثل في توجيه أبناء مجتمعهم نحو الطريق الصحيح، والمساهمة في بناء مستقبلهم العلمي والمهني.

ولم يمضِ سوى يومين فقط على عيد الأضحى المبارك، وهو الوقت الذي ينشغل فيه الناس عادة بالراحة بعد أيام العيد واستقبال الضيوف. إلا أن هؤلاء المسنين فضّلوا ترك الراحة جانبًا والنزول إلى الميدان، حيث يقدّمون الإرشاد والتوجيه المهني للطلاب والطالبات المسلمين. ويعمل هؤلاء المتطوعون على إعداد الشباب لخوض بعض من أصعب الامتحانات التنافسية في الهند، مثل امتحانات "IIT" و"JEE" و"NEET"، كما يسعون إلى توفير برامج تدريب وتعليم مجانية لهؤلاء الطلاب، بهدف مساعدتهم على تحقيق النجاح والوصول إلى مؤسسات التعليم العالي المرموقة.
مبادرة "فريق ناغبور للخدمة"
كثيرًا ما يُلاحظ أن الطلاب، بعد اجتياز امتحاني الصفين العاشر والثاني عشر، يقعون في حالة من الحيرة وعدم اليقين بشأن مستقبلهم الدراسي والمهني. فغالبًا ما يفتقرون إلى هدف واضح، ويجدون صعوبة في اختيار التخصص المناسب أو تحديد المسار الوظيفي الذي ينبغي أن يسلكوه. وفي هذه المرحلة الحساسة، يصبح التوجيه والإرشاد المهني من أهم الاحتياجات التي يحتاج إليها الطلاب. ومن أجل سد هذه الفجوة، يواصل "فريق ناغبور للخدمة" العمل ليلًا ونهارًا لتقديم الدعم والإرشاد للشباب.
فبمجرد إعلان نتائج الامتحانات المدرسية، يبدأ الفريق نشاطه المكثف، حيث يتوجه أعضاؤه إلى مختلف المناطق لإنشاء مراكز إرشاد وتوجيه تساعد الطلاب على اتخاذ قراراتهم التعليمية والمهنية بصورة أفضل. وقد بدأت آثار هذه المبادرة تظهر بوضوح في المناطق الريفية المحيطة بمدينة ناغبور، إذ تتلقى فرق العمل اتصالات متواصلة من الطلاب وأولياء أمورهم في القرى المجاورة طلبًا للمشورة والمساعدة.

وفي إطار هذه الجهود، قام الفريق يوم السبت 30 مايو 2026م بزيارة عدد من المناطق الريفية القريبة من ناغبور، من بينها قريتا بوكهارا وتشاكي خاب، حيث أجرى جلسات إرشاد للطلاب المحتاجين ومن أبناء الأسر محدودة الدخل. ويؤدي غلام قادر، المسؤول المتقاعد من شركة "ويسترن كولفيلدز" المحدودة، دورًا محوريًا في هذه المبادرة. فهو يحرص بنفسه، رغم حرارة الطقس الشديدة، على الجلوس مع الطلاب والاستماع إلى تساؤلاتهم ومساعدتهم على تجاوز الحيرة التي تواجههم في اختيار مستقبلهم الدراسي والمهني.
تكريم الطلاب المتفوقين وتحفيزهم على مواصلة النجاح
في إطار تعزيز هذه المبادرة التعليمية النبيلة، نُظّم يوم الأحد 31 مايو 2026م برنامج خاص لتكريم الطلاب المتفوقين، وذلك بتنظيم مشترك بين أكاديمية النور وأكاديمية شاهين. وشهد الحفل تكريم الطلاب والطالبات الذين حقّقوا نتائج متميزة في امتحانات الصف العاشر، بحصولهم على 75 في المائة أو أكثر من الدرجات.
وخلال هذه المناسبة، جرى منح الطلبة المتفوقين دروعًا تذكارية وشهادات تقدير، احتفاءً بإنجازاتهم الدراسية وتشجيعًا لهم على مواصلة التفوق. كما حرص كبار السن المشاركون في المبادرة على تهنئة الطلاب والإشادة بجهودهم، وحثهم على مواصلة مسيرتهم التعليمية في المجالات التي يرغبون فيها ويطمحون إلى التميز بها.
وكان الهدف الرئيس من هذا البرنامج إبراز المواهب الكامنة لدى الطلاب وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، إذ يؤمن القائمون على المبادرة بأن أبناء المناطق الريفية والفئات الأقل حظًا قادرون على تحقيق إنجازات كبيرة متى ما توفرت لهم فرص التوجيه والدعم المناسبة، وأن من حقهم أن يحلموا بأهداف كبيرة ويسعوا إلى تحقيقها.
توفير تدريب مجاني للطلاب الطموحين
في خطوة تهدف إلى تحويل أحلام الطلاب من الأسر الفقيرة ومتوسطة الدخل إلى واقع ملموس، أبرمت أكاديمية النور وأكاديمية شاهين اتفاقية تعاون لإطلاق برامج تدريبية وتعليمية متخصصة في مدينة ناغبور. وبموجب هذه المبادرة، من المقرر أن تبدأ اعتبارًا من 8 يونيو المقبل دورات تدريبية خاصة لإعداد الطلاب لعدد من أبرز الامتحانات والمسارات المهنية في الهند، مثل امتحانات "JEE" و"NEET" وبرنامج المحاسبة القانونية المعتمد. وتكمن أهمية هذه المبادرة في استقدام نخبة من المعلمين والخبراء ذوي الخبرة الواسعة من مدينة بِيدَر بولاية كارناتاكا إلى ناغبور، لتقديم التدريب والإرشاد الأكاديمي للطلاب. ويمثّل هذا المشروع فرصة ثمينة للطلاب والطالبات الموهوبين الذين يمتلكون القدرات العلمية اللازمة للنجاح، لكن ظروفهم الاقتصادية لا تسمح لهم بتحمل التكاليف المرتفعة لمراكز التدريب الخاصة، إذ توفر لهم هذه الدورات فرصة الحصول على تعليم وتوجيه عاليي المستوى دون أعباء مالية.
ويشيد سكان ناغبور على نطاق واسع بما يبذله هؤلاء كبار السن من جهود مخلصة، وما يتحلون به من رؤية بعيدة المدى وحرص على مستقبل الأجيال الجديدة. كما يعرب كثيرون عن أملهم في أن تؤتي هذه المبادرات الإصلاحية التي يقودها المسؤولون في أكاديمية النور ثمارها المرجوة في خدمة المجتمع.
اقرأ أيضًا: شباب مسلمون ينقذون أرواحًا خلال حريق مالفيا ناغار المأساوي في دلهي
ويرى الأهالي المحليون أن أبناء ناغبور والقرى المحيطة بها سيستفيدون بشكل كبير من هذه الفرصة التعليمية المتميزة، التي قد تفتح أمامهم آفاقًا جديدة في مجالات التعليم والتطوير المهني. ويأمل الأهالي أن يتمكن هؤلاء الطلاب، بعد استكمال تعليمهم، من الوصول إلى مناصب إدارية وفنية مرموقة، بما يسهم في رفع شأن أسرهم ومجتمعاتهم وخدمة بلادهم. ويؤكّد كثيرون أن هذه المجموعة المتفانية من كبار السن تمثّل نموذجًا مُلهمًا للعطاء والعمل المجتمعي، وأن جهودها في توجيه الشباب ودعم تعليمهم تُعد بمثابة هدية ثمينة للأجيال الصاعدة في هذا العصر.