عارف الإسلام/غواهاتي
في الوقت الذي تواصل فيه الفيضانات المدمرة اجتياح مناطق واسعة من آسام العليا، أصبحت آلاف الأسر بلا مأوى بعد أن فقدت منازلها وأراضيها الزراعية ومواشيها ومصادر رزقها. وفي حين تبلغ حصيلة الوفيات الرسمية 68 شخصًا، تشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدد الضحايا ربما تجاوز 500 شخص.
وتكشف الصور المؤلمة الواردة من المناطق المنكوبة بالفيضانات حجم المأساة الإنسانية، في مشاهد كفيلة بإثارة الحزن والأسى.
وأعرب الممثل المعروف في هوليوود عادل حسين، وهو من أبناء ولاية آسام، عن حزنه العميق وإحباطه وشعوره بالعجز إزاء كارثة الفيضانات المتكررة في الولاية، بعدما هزّته بشدة الأزمة الإنسانية المتفاقمة. ولم تسلم عائلة الممثل نفسه من تداعيات الكارثة.
وكشف عادل، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أن منزل عائلته وأقاربه في آسام تضرروا بشدة جراء الفيضانات.
واستذكر عادل أن آسام تشهد دمارًا مماثلًا في كل موسم للرياح الموسمية منذ أن وعى على الدنيا، معربًا عن أسفه لأنه، على الرغم من عقود من المعاناة، لم تتمكن السلطات حتى الآن من إيجاد حل فعال ودائم لمشكلة الفيضانات.
وقال عادل حسين في حديثه إلى وسائل الإعلام: "تعيش شقيقتي الكبرى وابنة أختي وزوجها في سيفاساغار بآسام، وقد غمرت الفيضانات المدمرة منزلهم. وأحاول إيجاد سبل لمساعدتهم، والوضع مقلق للغاية".
وكشف عادل أيضًا أنه على تواصل مستمر مع المغني الشهير بابون، الذي يشارك بنشاط في تقديم الدعم والمساعدة للمتضررين من الفيضانات في مختلف أنحاء آسام.
وقال عادل: "أشاهد مثل هذه الفيضانات المدمرة كل عام منذ طفولتي، لكن الوضع هذا العام أسوأ بكثير. وأشعر بخيبة أمل عميقة وغضب وحزن شديد وانهيار نفسي أمام ما يحدث، لأن الفيضانات ظلت مشكلة متكررة، ومع ذلك، ومنذ طفولتي، لم أرَ السلطات تنجح في السيطرة على الوضع".
وأرجع عادل جانبًا من المشكلة إلى سنوات من التوسع العمراني غير المخطط والتدهور البيئي، قائلًا: "توسعت المدن والبلدات من دون تخطيط سليم، وردمت الأراضي الرطبة لإقامة المنشآت الصناعية، ودُمرت الغابات، ولم تُبذل جهود جادة لإيجاد حلول طويلة الأمد من شأنها الحد من معاناة السكان في المناطق المعرضة للفيضانات. إن آسام بحاجة ماسة إلى خطة شاملة وعلمية لإدارة الفيضانات".
وفي غضون ذلك، نشر المغني بابون رسالة مصورة مؤثرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، دعا فيها الناس في مختلف أنحاء الهند والعالم إلى مد يد العون لولاية آسام في ظل هذه الأزمة غير المسبوقة.
وقال بابون: "أريد أن يعرف الجميع ما يحدث في آسام في هذه اللحظة، وحجم الدمار الذي خلفته فيضانات هذا العام".
وأضاف: "تشهد آسام أمطارًا غزيرة وفيضانات كل عام تقريبًا، لكن حجم الدمار هذا العام يفوق التصور. فقد غمرت المياه قرى بأكملها، ولا يزال آلاف الأشخاص بلا مأوى، فيما لا يزال المئات في عداد المفقودين، وفقد كثيرون حياتهم، ونفقت أعداد لا تُحصى من الحيوانات. الوضع بالغ الخطورة. وأرجو المساعدة في نشر هذه الرسالة. وأناشد الناس في جميع أنحاء الهند والعالم بأن يلتفتوا إلى آسام. وإنها قضية إنسانية، وعلينا جميعًا أن نقف معًا. ونحن نبذل هنا كل ما في وسعنا، ومن يرغب في المساعدة، فليبادر إلى ذلك".

ومع استمرار تداعيات الكارثة، برزت في مختلف أنحاء آسام قصص ملهمة من التضامن والتكافل الإنساني. فقد بادرت العديد من المنظمات التطوعية والمؤسسات التجارية، إلى جانب الغوردوارا والمساجد والمدارس الدينية، إلى تقديم المساعدات والإغاثة للمتضررين، في مشهد يؤكد أن الإنسانية تتجاوز الحدود الدينية.
وفي لفتة إنسانية نادرة ومؤثرة، فتح مسجد "Chontok Bor" في منطقة سيفاساغار أبوابه أمام النساء المتضررات من الفيضانات والباحثات عن مأوى. ورغم أن إيواء النساء داخل مباني المساجد ليس أمرًا معتادًا، فإن المسجد استثنى هذه الحالة نظرًا إلى الظروف الإنسانية الطارئة والاستثنائية.
وفي مبادرة إنسانية مماثلة، قامت لجنة مسجد "Amolapatti Purana" في نازيرا، وهي إحدى أكثر المناطق تضررًا من الفيضانات، بإعداد وتقديم الوجبات للمتضررين على مدار الساعة طوال الأسبوع الماضي. كما توفر اللجنة يوميًا وجبتين للأسر الهندوسية من عدد من القرى المجاورة المتضررة من الفيضانات.
وفي البداية، كان إعداد الطعام وتقديمه يتم من داخل مبنى المسجد بمساعدة طهاة تم تكليفهم بهذه المهمة. غير أن اللجنة، مراعاةً لراحة المستفيدين الهندوس ومشاعرهم، نقلت لاحقًا المطبخ المجتمعي إلى منزل قريب.
وتواصلت هذه المبادرة الإنسانية بفضل الجهود الدؤوبة لأعضاء الجماعة والشباب المحليين، إلى جانب التبرعات السخية من أفراد المجتمع. ولم تقتصر مساعدات لجنة المسجد على توفير الطعام، بل شملت أيضًا توزيع ملابس جديدة وزي مدرسي مجانًا على الأسر والأطفال المتضررين من الفيضانات.
ومن خلال هذه المبادرات النبيلة، لم تكتفِ لجنة مسجد نازيرا وأعضاء الجماعة بتقديم الإغاثة الضرورية للمتضررين، بل أسهموا أيضًا في تعزيز الوئام المجتمعي، وترسيخ الثقة المتبادلة والوحدة وحسن النية بين الهندوس والمسلمين، في واحدة من أصعب الفترات التي تمر بها ولاية آسام.
وجاء نموذج بارز آخر للتضامن الإنساني من مدرسة "دار الحديث بوربا بارخيتري العالية" في لوهاركاتا بمنطقة نالباري، حيث نظمت المدرسة حملة إغاثة خاصة لمساعدة ضحايا الفيضانات في آسام العليا. وبدأت الحملة بجمع التبرعات من الطلاب والمعلمين، قبل أن يتوجه الطلاب إلى السكان المحليين لجمع المزيد من المساهمات.
اقرأ أيضًا: التعليم ركيزة نهضة الأمم وصناعة المستقبل
ووفقًا للأرقام الرسمية، لقي 68 شخصًا حتفهم جراء فيضانات هذا العام، فيما تضرر أكثر من 524 ألف شخص في خمس مناطق. وتشمل المناطق الأكثر تضررًا تشارايديو وغولاغات وجورهات وناغاون وسيفاساغار. كما لحقت أضرار واسعة بالسدود والطرق والجسور وغيرها من مرافق البنية التحتية العامة.
وعلى الرغم من أن منسوب المياه بدأ في الانحسار في عدة مناطق خلال الأيام القليلة الماضية، فإن الأزمة الإنسانية لا تزال مستمرة، وستظل إعادة بناء حياة آلاف المتضررين الذين فقدوا الكثير جراء الكارثة تحديًا هائلًا خلال الأشهر المقبلة.