طالب الرفاعي* 
مع تفتّحِ وعيِ الإنسان في طفولته، يجد نفسه وسط أفراد عائلته، وفي تلك اللحظة تبدأ علاقاته الإنسانية بالتشكّل: الأمّ والأبُ، والإخوةُ والأقارب، والجيرانُ والأصدقاء. والطفل في هذه المرحلة يمارس علاقته بالآخر وفق الغريزة الإنسانية، وطبيعةِ البيئة التي يعيش فيها.
في الطفولة، نكون مدفوعين بالبحث عن اللعب والمتعة البريئة، وهذا ما يصنع دوائر علاقاتنا، ويشكّل النواة الأولى في تقبّلِ أشخاص والنفورِ من آخرين، خصوصاً في المراحل الدراسية الأولى. لكن مع تقدّمنا في العمر، وتحديداً في مرحلة الشباب، حين يبدأ وعي الإنسان بذاته بالتشكّل، يجد نفسه مُنجذباً نحو الآخر بدافع الحاجة إلى الانتماء والقبول. وكم يبدو الأمر مؤلماً لأبنائنا المراهقين حين يجدون أنفسهم مطرودين من دوائرَ تتحرّك من حولهم، ترفض دخولهم إليها لسبب أو لآخر، فيقفون على عتبتها والألم يملأ أرواحهم.
ومع تقدّم الإنسان في العمر، واجتيازه مراحلَ الدراسة الجامعية، يبدأ بتقبّل فكرة أن يكون ضمن علاقات صغيرة محدّدة، قريبةٍ من واقعه الاجتماعي والاقتصادي. وهذا يخفّف عنه المعاناة التي عاشها في مراهقته، ويجعله يتجاوز الخوف من الوحدة، ويأنس لروح المجموعة التي ينتمي إليها.
النقطةُ الأهمّ في العلاقات الإنسانية تبدأ لحظةَ يشعر الإنسان بمحدودية عمره. عندها يصبح للوقت معنًى محسوس، وحينها يبدأ بعض الأشخاص بالتساؤل: ما الذي أجنيه من هذه العلاقة؟ ماذا تضيف إليَّ؟ وماذا تأخذ مني؟ وفي هذه المرحلة يبدأ الإنسان باختيار علاقات بعينها، والابتعاد عن علاقات أخرى لا تجلب له سوى مضيعة الوقت. وتسمّي الدراسات النفسية هذا السلوك "نظرية الانتقائية الاجتماعية العاطفية – Socioemotional Selectivity Theory"، وهي تؤكّد أن الإنسان كلّما أدرك قِصَر الوقت، صار أكثر حرصاً على أن يقضيه مع من يمنحونه السرور والطمأنينة والمعنى.
أمّا الأمر الأكثر تعقيداً في العلاقات الإنسانية، فيأتي من الأعباء التي تُلقيها بعضُ العلاقات على كاهل الإنسان، خصوصاً تلك التي يجد نفسه أعجزَ عن الخروج منها، كما في العلاقات العائلية أو العاطفية. وفي بعض الأحيان يجد المرء نفسه مُستنزَفاً في تفكيره ووقته من جرّاء علاقة بعينها، بسبب ضريبة القرب العائلي، أو الدور الذي اعتاد أن يلعبه فيها. وهنا يجب التفريق بين التعب المؤقّت، وبين العبء الدائم الذي يلازم الإنسان، ويصبح كلفةً حياتية باهظة تضغط عليه طوال الوقت.
إنّ قرار البقاء في علاقة إنسانية أو القطع والخروج منها ليس بالأمر الهيّن، خاصة فيما يخصّ العلاقات الأسرية، وكذلك علاقة بعض الأصدقاء الذين ساروا مع الشخص في دروب حياته، وشكّلوا جزءاً أساسياً من ذاكرته وسيرته. لذا يتوجّب عليه أن يقف أمام نفسه بصدق في تلك اللحظات، ويسألها: كيف يمكن إعادة تشكيل هذه العلاقة؟ وهل من مجال لتحسينها؟ وهل يُبقي باب الصداقة موارباً؟ وأخيراً السؤال الصعب: أيّهما أفضل، الخروج أم البقاء؟ فمع تقدّم الإنسان في العمر، يكون أميلَ إلى الهدوء، والأنسِ بشيء من الوحدة، لا العزلة.
التقدّمُ في العمر لا يتطلّبُ بالضرورة تقليصَ العلاقات الإنسانية التي تحيط بنا، فليس ألزمَ للإنسان من أهله وأصدقائه. فلنا مطلقُ الحرية في أن نخفّفَ من أحمالنا، لكن شريطةَ ألّا نُطفئَ المصابيحَ التي أنارت لنا الدرب يومًا.
* قاص وروائي كويتي.