
عاطر خان*
شكرًا للقرّاء الأعزاء!
تكمن أعظم نقاط قوة الهند -قوتها العظمى الحقيقية- في تقاليدها الدينية والقيم التي تغرسها في نفوس شعبها. فالدين في الهند لم يكن مجرد مسألة اعتقاد، بل بوصلة أخلاقية أسهمت في تشكيل السلوك الاجتماعي، وترسيخ التعايش الثقافي، وبناء إحساسٍ مشترك بالإنسانية.
ومن هذا المنطلق، واصلت "آواز دي وايس" بصفتها منصة إعلامية، الاحتفاء بهذا التنوع وبالجذور العميقة للشمولية في الهند، حتى خلال أكثر الفترات اضطرابًا على المستويين العالمي والداخلي، في ظل تصاعد الاستقطاب الطائفي.
وواصلت "آواز دي وايس" التزامها ببناء خطاب يقوم على الحوار والتوازن والاحترام المتبادل، ساعيةً من خلال ذلك إلى إبراز روح الهند الجامعة بدلًا من تضخيم مظاهر الانقسام فيها.
وقد تميّزت فرق العمل لدينا دائمًا بنهج فريد في صناعة المحتوى؛ ففي حين درجت الممارسة الصحفية السائدة على تسليط الضوء على الانقسامات والسلبيات، كانت مهمتنا أصعب، إذ نبدأ يومنا بأفكار تسهم في توحيد الناس بدلًا من تعميق الشروخ داخل المجتمع.
ونحن ندرك أن الهند، منذ أقدم العصور، رعت ثقافات متنوعة تشكّلت تدريجيًا لتغدو هويةً هنديةً متكاملة، نابضة بالحياة. فلم تكن الهندوسية والإسلام والسيخية والبوذية والجاينية وغيرها من التقاليد الدينية كياناتٍ منفصلة، بل تشابكت معًا ضمن النسيج الأوسع للهويّة الهندية. وعلى الرغم من اختلاف وجهات النظر على مرّ الزمن، ظلّت القيمة السامية التي ربطت الهنود بعضهم ببعض هي الإنسانية.
وفي هذا السياق، على الرغم من الاختلافات الدينية الراهنة، بدأت تتشكّل تدريجيًا بيئة مواتية للحوار البنّاء بين الهندوس والمسلمين والمجتمعات الأخرى. ولا يمكن أن تكون هناك لحظة أهم من الآن لتعزيز خطاب التسامح والشمولية.
فاليوم، بات أفراد من مختلف الجماعات أكثر ميلًا إلى المراجعة الذاتية، يعترفون بتحيّزاتهم وأحكامهم المسبقة، ويبذلون جهودًا صادقة لفهم بعضهم بعضًا على نحوٍ أفضل.
وعلى امتداد ما يقرب من ألف عام من التاريخ الهندي، لم تُبذل سوى محاولات محدودة وجادّة لدمج حساسيات جميع الجماعات الدينية دمجًا كاملًا. غير أنّ موجة الاستقطاب الطائفي في السنوات الأخيرة تبدو قد بلغت ذروتها وبدأت في الانحسار تدريجيًا. ولم يسبق للمجتمعات الهندية أن ناقشت خلافاتها بصراحة كما فعلت خلال العقد الماضي.
وأدّت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا معقّدًا في هذا التحوّل. فمن جهة، زعزعت رواية تقودها الدولة عن الانسجام الطائفي كانت تبدو في كثير من الأحيان مصطنعة وتفتقر إلى العمق. ومن جهة أخرى، أسهمت في تعميق الاستقطاب الحاد. غير أنّ هذا الأثر الاستقطابي نفسه يبدو اليوم في طور التراجع، مفسحًا المجال أمام حوارات أكثر رسوخًا واتزانًا.
وبالنظر إلى المستقبل، يرى بعضهم في الذكاء الاصطناعي قوةً تحوّلية، قادرة على تحدّي التحيّزات المتجذّرة وفتح آفاق أوسع للانسجام والمساواة. وتقدّم الثورة الرقمية الجارية في الهند بالفعل لمحات واضحة عن هذا الإمكان الواعد.
بينما نجح المجتمع الهندوسي في الهند، إلى حد كبير، في سد الفجوة بين وضعه السابق وما يطمح إليه، فقد شهد المسلمون الهنود والمجتمعات الأخرى أيضًا تقدمًا ملحوظًا، مدفوعًا بالتعليم وتنمية المهارات وتزايد الطموحات.
كما شهد العقد الماضي ارتفاعًا ملحوظًا في الوعي والجهود المبذولة لتمكين المرأة. ومع استمرار التمكين الاجتماعي والاقتصادي، فإن مجتمعات الهند مهيأة لتحقيق المزيد من الازدهار في السنوات القادمة.
وبينما نحتفي بمرور الذكرى الخامسة على انطلاقتنا، تواصل فرق "آواز دي وايس" بمختلف لغاتها -العربية، والإنجليزية، والهندية، والأردية، والآسامية، والمراثية، والبنغالية- التزامها الراسخ برسالتها الهادفة إلى تقريب الهنود من بعضهم بعضًا.
كما نعرب عن بالغ امتناننا لمؤسسة البحث والتمكين التعددي على دعمها الثابت، وثقتها بنا.
وحظيت سلسلة "صناع التغيير المسلمون" التي أطلقناها عام 2025م بتفاعل واسع وصدى قوي لدى الهنود، ونحن على ثقة بأن سلسلتنا المقبلة "برواز" (PARVAAZ)، التي تركّز على إنجازات النساء المسلمات في الهند، ستحظى بالتقدير نفسه. كما تبدي فرقنا حماسًا كبيرًا لهذا المشروع المرتقب.
وشهدت "آواز دي وايس" نموًا ملحوظًا في عدد قرّاء موقعها الإلكتروني ومشاهدي محتواها المرئي، ونتوجّه بجزيل الشكر ووافر الامتنان لجمهورنا على دعمهم الدائم ومحبتهم الصادقة.
بمناسبة الاحتفاء بالذكرى الخامسة لانطلاقة منصة "آواز دي وايس"، نُجدّد التزامنا بممارسة صحافة مهنية رفيعة المستوى، قائمة على الشمولية والنزاهة، ومتشبّثة بـالفكرة الخالدة للهند.
*رئيس التحرير