شراكة تتعمّق واتفاقيات تتوسع: حصاد زيارة الرئيس الإماراتي إلى نيودلهي

22-01-2026  آخر تحديث   | 21-01-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
شراكة تتعمّق واتفاقيات تتوسع: حصاد زيارة الرئيس الإماراتي إلى نيودلهي
شراكة تتعمّق واتفاقيات تتوسع: حصاد زيارة الرئيس الإماراتي إلى نيودلهي

 


محمد مدثر قمر*

كانت زيارة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى الهند في 19 يناير 2026م، مهمة من نواحٍ عديدة. وكانت هذه الزيارة الخامسة للزعيم الإماراتي إلى الهند خلال السنوات العشر الماضية، والثالثة منذ توليه رئاسة الدولة في مايو 2022م.  وقد تجلت أهمية العلاقات الثنائية بين البلدين في استقبال رئيس الوزراء ناريندرا مودي شخصيًا للشيخ محمد بن زايد في مطار دلهي. ورافق الشيخ محمد بن زايد عائلته خلال الزيارة، علامة على إعلان عام 2026م عامًا للأسرة في دولة الإمارات العربية المتحدة. ولقد طوّرت الهند ودولة الإمارات علاقات وثيقة تُوصف بأنها شراكة إستراتيجية شاملة، كما وقّع البلدان اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة.

وكان توقيت الزيارة مهمًا نظرًا للتطورات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في الأشهر والسنوات الأخيرة. فبينما لا يزال الوضع في قطاع غزة بعيدًا عن أن يكون مُرضيًا، جاءت الزيارة في أعقاب بدء المرحلة الثانية من مبادرة ترامب للسلام. والجدير بالذكر أن رئيس الوزراء مودي، إلى جانب العديد من قادة العالم الآخرين، بمن فيهم الشيخ محمد بن زايد، قد تلقوا دعوة من إدارة ترامب للمشاركة في "مجلس السلام" الخاص بغزة.

وإلى جانب ذلك، شهدت إيران مؤخرًا احتجاجات واسعة النطاق ضد الجمهورية الإسلامية، مما يعكس استياءً متزايدًا من الوضع الاقتصادي المتردي وارتفاع الأسعار. وقد أدى مقتل ما يقرب من 5000 شخص في غضون ما يزيد قليلاً عن أسبوعين، نتيجة لتسليح المحتجين من قبل قوى خارجية واستخدام النظام الإيراني للقوة، إلى أزمة داخلية خطيرة في إيران. وقد زاد تهديد إدارة ترامب باستخدام القوة العسكرية إذا لم توقف القيادة الإيرانية إعدام المحتجين من تفاقم الوضع وجعله مثيرًا للقلق لجميع الدول التي ترغب في رؤية السلام والاستقرار في منطقة الخليج، بما في ذلك الهند والإمارات العربية المتحدة.

كما نوقش الوضع المتوتر المستمر في اليمن خلال الزيارة. ففي اليمن، أدّت التطورات التي حقّقها المجلس الانتقالي الجنوبي(STC)في منطقة حضرموت إلى خلافات خطيرة بين أعضاء مجلس القيادة الرئاسي(PLC)  برئاسة رشاد العليمي. وقد تسبب دعم الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي والعمليات العسكرية السعودية ضده في توترات بين الشريكين الإقليميين في التحالف. ومع ذلك، ساهم قرار الإمارات بإنهاء عملياتها وسحب قواتها العسكرية في تهدئة الوضع.

ومن بين القضايا الأكثر أهمية التي نوقشت فيما يتعلق بالتطورات في الشرق الأوسط، اتفاقية الدفاع الموقعة بين المملكة العربية السعودية وباكستان. وقد سلّط الكثيرون الضوء على الأنباء التي تفيد باحتمال انضمام تركيا إلى البلدين في هذه الاتفاقية الدفاعية لتشكيل شراكة دفاعية إقليمية ثلاثية، واعتبروها تحالفًا عسكريًا ضد الهند. وبناءً على ذلك، جادل بعض المحللين بأن الهند يمكنها الانضمام إلى تحالف الدفاع في شرق البحر الأبيض المتوسط، المكون من إسرائيل واليونان وقبرص، لمواجهة تركيا. وبدلاً من ذلك، قيل إن الهند يمكنها تشكيل شراكة دفاعية مع إسرائيل والإمارات العربية المتحدة لمواجهة اتفاقية الدفاع الافتراضية بين باكستان والمملكة العربية السعودية وتركيا.

وقد فُسِّر توقيع مذكرة التفاهم بشأن الشراكة الدفاعية الإستراتيجية خلال زيارة الشيخ محمد بن زايد على أنه يهدف إلى مواجهة اتفاقية الدفاع الإستراتيجي المتبادل بين المملكة العربية السعودية وباكستان الموقعة في سبتمبر 2025م. وفي حين، نفى وكيل وزارة الشؤون الخارجية الهندية فيكرام ميسري هذه التكهنات خلال الإحاطة الإعلامية التي عقدت بمناسبة زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى نيودلهي، حيث أشار إلى أن توقيع مذكرة التفاهم بين الهند والإمارات العربية المتحدة بشأن الشراكة الدفاعية الإستراتيجية يجب أن يُنظر إليه على أنه "تطور طبيعي للتعاون الدفاعي الكبير القائم بين البلدين، وليس بالضرورة ردًا على أي حدث معين قد يكون وقع في المنطقة، أو أي نية للتدخل في سيناريو مستقبلي افتراضي في المنطقة".

وبغض النظر عن التكهنات، ركّزت الزيارة على تقييم التقدم المحرز في العلاقات الثنائية وتحديد المسار المستقبلي للعلاقات بين الشريكين المقربين. ولذلك، تم توقيع عدد من الاتفاقيات الثنائية المهمة والإعلان عنها. فإلى جانب مذكرة التفاهم بشأن الشراكة الدفاعية الإستراتيجية، وقّع البلدان أيضًا مذكرة تفاهم بشأن التعاون الاستثماري في تطوير منطقة دوليرا الخاصة للاستثمار في ولاية غوجارات الهندية. كما تم توقيع مذكرة تفاهم أخرى بين المركز الوطني الهندي لترويج وتفويض الفضاء (IN-SPACe) ووكالة الفضاء الإماراتية لمبادرة مشتركة لتمكين تطوير صناعة الفضاء والتعاون التجاري.

واتفقت الهند والإمارات العربية المتحدة أيضًا على اتفاقية بيع وشراء طويلة الأجل، تقوم بموجبها شركة بترول أبوظبي الوطنية للغاز بتزويد شركة هندوستان بتروليوم المحدودة الهندية بـ 0.5 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا اعتبارًا من عام 2028م ولمدة عشر سنوات. كما تم توقيع مذكرة تفاهم مهمة أخرى بشأن سلامة الأغذية والمتطلبات الفنية لتسهيل وتعزيز صادرات الأغذية الهندية إلى الإمارات العربية المتحدة.

وتم الإعلان عن العديد من الإعلانات المهمة الأخرى خلال الزيارة، بما في ذلك إنشاء مركز للحوسبة الفائقة في الهند. وتُعد هذه المبادرة جزءًا من مهمة الذكاء الاصطناعي في الهند، وبمجرد إنشائها، ستكون المنشأة متاحة للقطاعين العام والخاص لأغراض البحث وتطوير التطبيقات والاستخدام التجاري. كما تم الإعلان عن تعزيز التعاون الثنائي في المجال النووي. ويهدف هذا التعاون إلى الاستفادة من الفرص الجديدة التي أتاحها قانون "الاستخدام المستدام للطاقة النووية وتطويرها من أجل تحويل الهند" لعام 2025م. واتفق الجانبان على تطوير شراكة في التقنيات النووية المتقدمة، بما في ذلك تطوير ونشر المفاعلات النووية الكبيرة والمفاعلات المعيارية الصغيرة، والتعاون في أنظمة المفاعلات المتقدمة، وتشغيل وصيانة محطات الطاقة النووية، والسلامة النووية.

كما أعلنت الهند والإمارات العربية المتحدة أن بنك أبوظبي الأول سيفتتح فرعًا له في مدينة غيفت سيتي في ولاية غوجارات لتسهيل العلاقات التجارية والاستثمارية. وعلاوة على ذلك، ستبدأ شركة موانئ دبي العالمية عملياتها من مدينة غيفت سيتي، بما في ذلك تأجير السفن لعملياتها العالمية. كما تم الاتفاق على أن يستكشف الجانبان إمكانية إنشاء سفارات رقمية بموجب ترتيبات سيادية معترف بها من الطرفين.

واتفق الجانبان أيضًا على تعزيز تبادل الشباب لترسيخ فهم أعمق، والتعاون الأكاديمي والبحثي، والروابط الثقافية بين الأجيال القادمة. كما تم الإعلان عن اتفاقية لإنشاء "بيت الهند" في أبوظبي، والذي سيكون بمثابة مساحة ثقافية تضم، من بين أمور أخرى، متحفًا للفنون والتراث والآثار الهندية يعرض جوانب من الهند.

وأخيرًا، اتفق الجانبان على مضاعفة حجم التجارة الثنائية ليصل إلى 200 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2032م. وتُعد الإمارات العربية المتحدة ثالث أكبر شريك تجاري للهند، وقد تجاوزت التجارة الثنائية بين البلدين 100 مليار دولار أمريكي في عامي 2024-2025. ومن الجدير بالذكر أن التجارة غير النفطية بلغت أيضًا 36 مليار دولار أمريكي، مما يؤكد الإمكانات الهائلة في التجارة والأعمال الثنائية. وقد اتفقت الهند والإمارات العربية المتحدة بالفعل على العمل نحو زيادة التجارة غير النفطية إلى 100 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030م. وخلال الزيارة، أكّد الزعيمان على ضرورة ربط المؤسسات الصغيرة ومتوسطة الحجم في كلا البلدين، وتعزيز الأسواق الجديدة من خلال مبادرات مثل "بهارات مارت" و"ممر التجارة الافتراضي" و"بهارات-إفريقيا سيتو".

اقرأ أيضًا: الهند والإمارات توسّعان شراكتهما الإستراتيجية باتفاقيات في الدفاع والطاقة والفضاء

فكانت زيارة الشيخ محمد بن زايد مهمة، إذ أكدت على العلاقات الوثيقة والودية بين الهند والإمارات. وأكّدت المحادثات الثنائية بين رئيس الوزراء مودي والرئيس محمد بن زايد على عمق العلاقات الثنائية. وشملت المحادثات قضايا ثنائية مهمة، بما في ذلك التجارة والأعمال والاستثمارات والدفاع والأمن والعلاقات الثقافية. كما نوقشت التطورات الإقليمية والعالمية ذات الاهتمام المشترك، مع التأكيد على ضرورة السلام والاستقرار في المنطقة.

وفي الختام، أبرزت الزيارة أن نيودلهي وأبوظبي صديقتان حقيقيتان تعملان على تطوير التفاهم المتبادل والشراكة الإستراتيجية للارتقاء بالعلاقات الهندية-الإماراتية إلى آفاق جديدة.

*أستاذ مشارك في مركز دراسات غرب آسيا، جامعة جواهر لال نهرو، نيودلهي.

قصص مقترحة