بلّب بهاتاشاريا*
سيحيي العالم خلال الفترة من 1 إلى 7 فبراير "أسبوع الوئام العالمي بين الأديان"، بوصفه تقليدًا دوليًا يهدف إلى ترسيخ قيم التفاهم والتقارب بين أتباع الديانات المختلفة وبين الشعوب. وقد انطلقت هذه المبادرة باقتراح من العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2010م، قبل أن تعتمدها الجمعية العامة رسميًا بموجب القرار رقم 65/5 الصادر في 20 أكتوبر من العام نفسه.
وأكد القرار أن التفاهم المتبادل والحوار بين الأديان يشكّلان ركيزتين أساسيتين لبناء ثقافة عالمية قائمة على السلام والوئام، معتبرًا أن هذا الأسبوع يمثل إطارًا جامعًا لتعزيز التقارب والانسجام بين جميع الناس، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية. كما دعا جميع الناس، على اختلاف معتقداتهم، إلى إحياء هذا الأسبوع انطلاقًا من مبدأ جامع يقوم على "محبة الله ومحبة الجار"، أو بصيغة أكثر شمولًا "محبة الخير ومحبة الجار". ومنذ انطلاقه الأول عام 2011م، تحوّل أسبوع الوئام بين الأديان إلى نداء عالمي واسع يدعو إلى التعايش الإنساني وتعزيز قيم الرحمة والتسامح.
وجاء إحياؤه عام 2025م في دلهي تعبيرًا مضيئًا عن روح التعددية الراسخة في المجتمع الهندي. فقد بادرت مؤسسة السلام العالمي في الهند إلى تنظيم ملتقى الحوار بين الأديان لعام 2025م على مدى ثلاثة أيام، حيث جرى الجمع بين الحكمة الهندية الضاربة في القدم، التي يجسّدها مبدأ "فاسودهايفا كوتومباكام" ـ أي العالم أسرة واحدة"ـ وبين مقاربات حديثة لبناء السلام. وقد جمع الملتقى قيادات دينية من الهندوسية والبوذية والإسلام والمسيحية والجاينية والسيخية والبارسية، أكدوا من خلالها مجددًا الدور الجامع للإيمان في عالم تتعمق فيه الانقسامات.
واستُهلّت أعمال الملتقى بكلمة الدكتور ماركاندي راي، رئيس مؤسسة السلام العالمي في الهند، دعا فيها إلى استلهام الإرث الحضاري للهند القائم على الوحدة العابرة للحدود. كما استحضر غوسوامي سوشيل جي مهراج، منسّق "بهارتيا سارف دهارم سانساد"، خطاب سوامي فيفيكاناندا في البرلمان العالمي للأديان بمدينة شيكاغو عام 1893م، واصفًا إياه برسالة خالدة تدعو إلى الوئام والتآخي.
وفي السياق ذاته، أكّد عدد من المتحدثين، من بينهم بيكّو سانغاسينا، وراجاكومار جوزيف، والإمام فيضان منير، وسوامي سارفا لوكاناندا، أن القيم الأخلاقية المشتركة، مثل الصدق وخدمة الإنسان والرحمة، تشكّل قيمًا إنسانية تتجاوز الانتماءات والهويات الدينية.
وتميّز إحياء دلهي لهذا الحدث بالحضور اللافت للشباب وبأساليب تفاعلية خلاقة. فقد سبقت الفعاليات مسابقة للملصقات بعنوان "الفن من أجل الوئام"، دُعي خلالها الفنانون الشباب إلى تجسيد رؤاهم للسلام، إلى جانب ورش عمل حول "مهارات الحوار بين الأديان" هدفت إلى تدريب الطلبة على التعاطف والتواصل القائم على الاحترام. كما قدّمت جلسات حوارية قادها الشباب حول بناء السلام نماذج عملية لكيفية تحويل الحوار، حين يقترن بالفعل، إلى قوة قادرة على إحداث تغيير إيجابي في المجتمعات. وتنسجم هذه المبادرات مع أفضل الممارسات العالمية التي تربط التعليم بين الأديان بالفنون والعمل المجتمعي والمشاركة المدنية.
وبات الحوار بين الأديان، في مختلف أنحاء العالم، أداة أساسية لتعزيز السلام وبناء التفاهم. وتعمل الأمم المتحدة على تعزيزه من خلال مبادرات مثل تحالف الحضارات وبرامج اليونسكو المعنية بالتقارب الثقافي. وتبرز على الساحة الدولية نماذج إقليمية متنوّعة؛ ففي إندونيسيا يضطلع منتدى "كيروكُونان أومات براغاما" بدور فاعل في تعزيز الوئام الديني وترسيخ قيم التعايش على المستوى المحلي، فيما توفر أوروبا أطرًا مؤسسية منظّمة، مثل شبكة الحوار بين الأديان في المملكة المتحدة، لدعم التفاعل البنّاء وتعميق ثقافة الحوار. وأما في نيجيريا، فيجمع مركز الوساطة بين الأديان القساوسة والأئمة للعمل معًا على إعادة بناء مجتمعات مزّقتها النزاعات. وتؤكد هذه النماذج أن التقاليد الروحية، حين تُستثمر في إطار جامع، قادرة على تعزيز المصالحة وبناء الثقة الاجتماعية.
وتحتفظ الهند بمكانة متميّزة في هذا الحراك العالمي، مستندةً إلى إرث تاريخي قام على الشمول والانفتاح. فمن تسامح أشوكا، إلى تجربة الإمبراطور أكبر في "دين إلهي"، مرورًا بعالمية تعاليم غورو ناناك، وصولًا إلى ترانيم المهاتما غاندي الجامعة، تبلورت هوية الهند على قيم قبول الآخر. وفي زمن تتنامى فيه مظاهر الاستقطاب، يبقى الوعد الدستوري الهندي بالأخوّة بمثابة البوصلة التي تهدي مسيرتها.
وقد أكّد ملتقى عام 2025م أن الوئام لا يقتصر على التسامح الشكلي، بل يتجسّد في تعاون فعلي ومشترك، حيث يعمل القادة الدينيون والمواطنون معًا في مجالات التعليم، وحماية البيئة، وتمكين المرأة، بما يجسّد الوئام بوصفه ممارسة حيّة ومسؤولية جماعية.
ويؤدي الشباب اليوم دورًا محوريًا في تعزيز السلام على الصعيد العالمي، إذ تُظهر دراسات عديدة أن الاحتكاك المبكر بالتنوع الديني يسهم في تنمية التعاطف والحد من الصور النمطية والأحكام المسبقة. وفي هذا الإطار، تعكس مبادرات مؤسسة السلام العالمي في الهند، مثل نوادي السلام للشباب ومنتديات السلام في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إيمانًا راسخًا بأن الوئام الحقيقي لا يُملى من الأعلى، بل ينبع ويتطوّر من داخل المجتمعات ذاتها.
ومع استعداد العالم لإحياء أسبوع الوئام بين الأديان لعام 2026م، يبرز ملتقى دلهي بوصفه تذكيرًا حيًّا بأن الحوار القائم على القيم المشتركة قادر على تضميد الانقسامات. وقد أظهر الملتقى أيضًا أن التعاون بين الأديان لم يعد خيارًا أخلاقيًا مثاليًا فحسب، بل أضحى ضرورة عملية في سياق عالمي يتسم بتصاعد صراعات الهوية، وتفاقم التحديات البيئية، وتزايد مظاهر التفكك الاجتماعي.
وفي هذا السياق، تمنح الرؤية الهندية المتمثلة في "فاسودهايفا كوتومباكام" — كما تجلّت في شعار مجموعة العشرين "أرض واحدة، عائلة واحدة، مستقبل واحد"— معنى متجددًا لهذه الحركة العالمية الساعية إلى السلام.
ومع انطلاق أسبوع الوئام بين الأديان لعام 2026م في الفترة من 1 إلى 7 فبراير، ستفتح دور العبادة في مختلف أنحاء العالم أبوابها بروح من الصداقة والتلاقي، من المعابد والمساجد إلى الكنائس والغوردوارا والأديرة. وفي الصفوف الدراسية والمجتمعات المحلية، ستؤكد الفنون والموسيقى وأعمال الخدمة أن السلام يبدأ من قلبٍ يصغي ويتفهم. وستظل مصابيح الإيمان التي تتلألأ في دلهي ومدن بعيدة أخرى تذكّر البشرية بأن وراء كل اختلاف إنساني شوقًا إنسانيًا مشتركًا إلى الخير.
اقرأ أيضًا: حين تتحوّل مأساة وطنية إلى محاكمة متلفز
وفي زمنٍ يكافح فيه العالم لاستعادة قيم التعاطف، يقدّم النموذج الهندي بوصلة أخلاقية واضحة، تُظهر أن الوئام ليس حلمًا بعيد المنال، بل ممارسة يومية متجذّرة في السلوك والعمل. ومع تلاقي أتباع الديانات المختلفة للاحتفال بهذا الأسبوع، تتأكد حقيقة بسيطة مفادها أن الاسترشاد بمحبة الخير في الأفعال يجعل الإنسانية أسرة واحدة، في رسالة أمل لعالم يتعلّم من جديد كيف يعيش بوحدة وتكافل.