فوزان أحمد*
كان الدكتور مانموهان سينغ رئيس الوزراء السابق، من كبار الخبراء الاقتصاديين ومعمار التحرير الاقتصادي في الهند، الذي غيّر مسار التطور في البلاد. وعندما تولّى منصب وزير المالية في حكومة حزب المؤتمر برئاسة رئيس الوزراء الأسبق نارسيمها راو، كان الاقتصاد الهندي على وشك الانهيار بسبب جملة من التحديات، من بينها ارتفاع التضخم، والعجز المالي غير المستدام في الميزانية، وأزمة ميزانية المدفوعات. كما كانت احتياطيات النقد الأجنبي للبلاد عند مستوى منخفض يثير القلق. غير أنه درس السوق الهندية عن كثب، وقدم عددًا من الخطوات الإصلاحية التي أسهمت في إعادة الاستقرار إلى الاقتصاد الهندي.
وُلِد رئيس الوزراء السابق مانموهان سينغ في 26 سبتمبر عام 1932م في بلدة غاه بغربي إقليم البنجاب، التي أصبحت اليوم جزءًا من باكستان. وتلقّى شهادة البكالوريوس عام 1952م، ثم الماجستير عام 1954م في علم الاقتصاد من جامعة البنجاب. ولم تخمد رغبته في مواصلة التحصيل العلمي، بل قادته طموحاته إلى إنجلترا، حيث التحق بجامعة كمبردج وحصل على درجة البكالوريوس في الاقتصاد، ثم واصل مسيرته الأكاديمية لينال شهادة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة أكسفورد عام 1962م.
ثم بدأ مانموهان سينغ حياته المهنية في مجال التدريس بجامعة البنجاب، حيث عُيِّن أستاذًا للتجارة الدولية في كلية دلهي للاقتصاد التابعة لجامعة دلهي. كما عمل لفترة قصيرة في أمانة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية. وانضم لاحقًا إلى حكومة الهند مستشارًا اقتصاديًا في وزارة التجارة، ثم أُسندت إليه بعد ذلك مهمة المستشار الاقتصادي الرئيس في الوزارة نفسها عام 1972م. وفي عام 1987م، عُيِّن أمينًا عامًا للجنة الجنوب في جنيف، واستمر في هذا المنصب حتى عام 1990م.
كما تولّى مناصب عديدة، من بينها سكرتيرًا في وزارة المالية، ونائبًا لرئيس لجنة التخطيط، ومحافظًا لبنك الاحتياطي الهندي، ومستشارًا لرئيس الوزراء، ورئيسًا للجنة المنح الجامعية. وفي عام 1991م، عُيِّن عضوًا في مجلس الشيوخ (راجيا سبها) بالبرلمان الهندي، حيث شغل منصب زعيم المعارضة خلال الفترة من 1998م إلى 2004م. وعندما فاز التحالف التقدمي المتحد في الانتخابات العامة عام 2004م، تولّى سينغ منصب رئيس الوزراء، ثم استمر في المنصب بعد فوز التحالف مرة أخرى في انتخابات عام 2009م.
مانموهان سينغ وزيرا للمالية (1991م-1996م)
في هذا السياق، نستعرض بعض الإصلاحات البارزة التي نفّذها الدكتور مانموهان سينغ أثناء تولّيه منصب وزير المالية في حكومة رئيس الوزراء الأسبق نارسيمها راو.
مانموهان سينغ رئيسًا للوزراء (2004م-2014م)
تولّى مانموهان سينغ رئاسة الوزراء عام 2004م، وقاد حكومة التحالف التقدمي المتحد، حيث انصبّت قيادته على تحقيق النمو الاقتصادي، وتعزيز برامج العدالة الاجتماعية، وتوسيع الشراكات الدولية. وخلال فترة تولّيه منصب رئيس الوزراء، شهدت الهند مرحلة من النمو الاقتصادي غير المسبوق، إذ بلغ متوسط معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي نحو 8.5% بين أعوام 2004 -2009م.
نظرة عابرة على البرامج الاجتماعية والاقتصادية
قانون المهاتما غاندي الوطني لضمان التوظيف للعمال الريفيين: أطلقه مانموهان سينغ عام 2006م، ويكفل توفير 100 يوم عمل مضمون سنويًا لكل أسرة ريفية، بهدف الحد من الفقر وتعزيز الأمن المعيشي في المناطق الريفية.
قانون الحق في الحصول على المعلومات: دخل حيّز التنفيذ عام 2005م، ومكّن المواطنين من طلب المعلومات من السلطات العامة، مما أسهم في تعزيز الشفافية والمساءلة في المؤسسات الحكومية.
قانون الحق في التعليم: أُقِرّ عام 2009م، ونصّ على جعل التعليم حقًا أساسيًا للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و14 عامًا، بما يعزز العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص التعليمية.
قانون الأمن الغذائي: نُفِّذ عام 2013م، وأكّد التزام الدولة بتوفير الحبوب الغذائية المدعومة لنحو ثلثي سكان البلاد، بهدف ضمان الأمن الغذائي للفئات الفقيرة.
تطوير البنية التحتية: جرى تسريع تنفيذ مشاريع البنية التحتية، بما في ذلك الطرق السريعة والمطارات وتوليد الطاقة. وأُطلق برنامج المشروع الرباعي الذهبي الذي ركّز على تعزيز الربط والبنية التحتية الحضرية.
السياسة الخارجية والشراكة العالمية: أُبرم الاتفاق النووي المدني بين الهند والولايات المتحدة عام 2008م، وهو اتفاق تاريخي أنهى العزلة النووية للهند وفتح أمامها باب الوصول إلى التكنولوجيا النووية المدنية. كما عزّزت الحكومة العلاقات مع الدول المجاورة والقوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، ولعبت دورًا فاعلًا في مجموعة بريكس، مما أسهم في توطيد التعاون بين الاقتصادات الناشئة.
إصلاحات القطاع المالي: قُدِّمت تدابير لتعزيز قوة القطاع المصرفي، شملت توسيع الشمول المالي وتطوير الخدمات المصرفية، وتحسين فرص الحصول على الائتمان للشركات الصغيرة والمتوسطة وروّاد الأعمال في المناطق الريفية.
تغيّر المناخ وأمن الطاقة: دعا سينغ إلى تبنّي مسار التنمية المستدامة، وشجّع على التوسع في مصادر الطاقة المتجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية، من خلال المهمة الوطنية للطاقة الشمسية.
الأوسمة والجوائز التي مُنِحت للدكتور سينغ
كانت خدمات مانموهان سينغ، سواء في مجال الاقتصاد إبّان تولّيه منصب وزير المالية، أو في مسيرة تنمية البلاد خلال فترة رئاسته لوزراء الهند، محلَّ تقدير واسع وإشادة كبيرة. وقد تُوِّجت هذه المسيرة الحافلة بمنحه عددًا من الأوسمة والجوائز المرموقة، نذكر من أبرزها:
وسام بادما فيبوشان: يُعدّ هذا الوسام ثاني أعلى وسام مدني في الهند بعد جائزة بهارات راتنا، ويُمنح تقديرًا للخدمات المتميزة والاستثنائية في مختلف المجالات. وقد مُنِح هذا الوسام للدكتور مانموهان سينغ عام 1987م.
جائزة يوروموني للتميز: وهي جائزة سنوية للاعتراف في قطاع الخدمات المصرفية العالمية، وللاحتفال بإنجازات البنوك والمصرفيين في جميع أنحاء العالم. وأهديت الجائزة إلى الدكتور مانموهان سينغ عام 1993م.
جائزة آسيا موني لوزير المالية: تُمنَح هذه الجائزة تقديرًا للأداء المتميّز في إدارة الشؤون المالية وتولّي مهام وزارة المالية. وقد مُنِحت للدكتور مانموهان سينغ لعامين متتاليين، في عامي 1993م و1994م، اعترافًا بإصلاحاته الاقتصادية البارزة.
جائزة الذكرى المئوية لميلاد جواهر لال نهرو: وهي جائزة تقديرية يمنحها المؤتمر العلمي الهندي، وقد مُنِحت للدكتور مانموهان سينغ عام 1995م، تقديرًا لإسهاماته المتميّزة في دعم النمو الاقتصادي.
ولم يقتصر الاعتراف بإنجازات مانموهان سينغ على المستوى الوطني فحسب، بل أشاد بتفوقه في مجال الاقتصاد أيضًا عدد من الخبراء والزعماء العالميين. فقد وصفه الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في مذكراته الأرض الموعودة (2020) بأنه المهندس الرئيسي للتحول الاقتصادي في الهند.
كما أقرّ رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، في خطابه أمام مجلس الشيوخ (راجيا سبها)، بإسهام مانموهان سينغ في تعزيز الديمقراطية في الهند، مؤكدًا أن دوره سيظل حاضرًا في الأذهان على الدوام.
اقرأ أيضًا: حرية المرأة في العهد النبوي وتراجعها في المجتمع المسلم المعاصر في الهند
ولقد قادت رؤية مانموهان سينغ الهند إلى التحول نحو قوة هائلة في الاقتصاد. ولم تقتصر إسهاماته على مسار التنمية الاقتصادية فحسب، بل كان رجل فكرٍ واستقامةٍ ونزاهة. وقد وصفه الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد أمارتيا سين بأنه "قائد سياسي بارع وخبير اقتصادي رائع".
ويمكن القول إن الدكتور مانموهان سينغ كان شخصية مرموقة في مجالي السياسة والاقتصاد في الهند، وقد قدّم إسهامات ملموسة، سواء بصفته وزيرًا للمالية أو رئيسًا للوزراء، أسهمت في تشكيل مسار البلاد وجعلها قوة اقتصادية عالمية. وسيظل إرثه مصدر إلهام لصنّاع السياسات والمواطنين على حدّ سواء، بما حملته رؤيته من قيم للهند الليبرالية، الشاملة، والمنفتحة على العالم.
*أستاذ في قسم اللغة العربية، الجامعة الملية الإسلامية، نيودلهي.