إيمان سكينة
تكمن في الإسلام مفارقة جميلة: كلما أعطينا أكثر، ازددنا غنىً. وللوهلة الأولى، قد يبدو هذا متعارضًا مع منطق الحياة المادي؛ فنحن نتعلم أن الثروة تنمو بالادخار والمحافظة على المال وتراكمه. لكن الإسلام يعلّمنا حسابًا مختلفًا؛ فما يخرج من أيدينا قد يعود إلينا بطرق لم نتخيلها قط. فقد يعود أحيانًا في صورة مال، وأحيانًا في صورة صحة، أو سكينة، أو حماية من بلاء لم نكن نعلم أنه كان في طريقه إلينا. وهذا هو سر البركة.
فالبركة لا تعني مجرد "الزيادة"، وإنما هي أن يضع الله خيرًا عظيمًا في شيء يبدو عاديًا. وقد يتقاضى شخصان الراتب نفسه، لكن أحدهما يظل يعاني من ضيق الحال، بينما يعيش الآخر براحة، ويساعد غيره، ويبقى راضيًا قانعًا.
وقد تمتلك أسرة القليل، لكنها تجتمع حول مائدة واحدة في سلام وطمأنينة، بينما تمتلك أسرة أخرى الكثير، ومع ذلك لا تعرف طعم الرضا. فالفرق في كثير من الأحيان لا يكمن في مقدار ما نملك، وإنما في البركة التي تحل فيه.
ومن أعظم أبواب البركة الصدقة، وهي ما يقدمه الإنسان طوعًا وبإخلاص ابتغاء مرضاة الله.
ويذكّرنا الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗوَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ [سورة البقرة: 261].
وتأمل كيف أن الله لا يَعِد بمجرد إعادة ما أُنفق، بل يتحدث عن المضاعفة. وكذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖوَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سورة سبأ: 39].
ولا يعني الإخلاف دائمًا أن يسترد الإنسان المبلغ نفسه الذي أنفقه؛ فقد يعوّضه الله بفرص أفضل، أو علاقات أقوى، أو أبناء يتمتعون بالصحة والعافية، أو راحة نفسية وسكينة، أو حماية من المصاعب والابتلاءات.
وقد أكد النبي ﷺهذه الحقيقة في حديث: "مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ" [صحيح مسلم].
وقد يبدو هذا القول للوهلة الأولى غير متوافق مع الحساب المادي؛ فإذا تصدق شخص بمئة روبية، فقد أصبح ما في يده أقل بمئة روبية. ولكن رسول الله ﷺيعلّمنا أن ننظر إلى ما هو أبعد من الأرقام؛ فالثروة لا تُقاس بالأرصدة المصرفية وحدها، بل بما تحمله من بركة. فقد تحقق ألف روبية مباركة ما لا تستطيع عشرة آلاف روبية خالية من البركة أن تحققه.
ومن أروع الدروس في هذا السياق ما ورد في حديث مشهور رواه صحيح البخاري وصحيح مسلم.
فقد لجأ ثلاثة رجال كانوا في سفر إلى غار احتماءً من المطر، وفجأة تدحرجت صخرة ضخمة من الجبل وسدّت مدخل الغار، فأصبح الخروج منه مستحيلًا. ولما أدركوا أنه لا يمكن لأحد من البشر إنقاذهم، توجّه كل واحد منهم إلى الله، متوسلًا إليه بعمل صالح أخلص فيه النية لله وحده. فذكر أحدهم برّه بوالديه المسنَّين. وذكر الثاني أنه امتنع عن الوقوع في معصية عظيمة رغم تهيؤ الفرصة له. وأما الثالث، فتوسل إلى الله بأمانته في التعامل مع حقوق الآخرين. فقد عمل لديه أجير ذات يوم، ثم غادر قبل أن يأخذ أجره. وبدلًا من أن يحتفظ الرجل بالمال لنفسه، استثمره حتى نما وتكاثر وأصبح مواشي وثروة.
وبعد سنوات، عاد العامل مطالبًا بأجره الأصلي فقط، لكن صاحب العمل لم يعطه ذلك الأجر القليل فحسب، بل سلّمه كل ما نما وتكاثر من ذلك المال، ولم يحتفظ لنفسه بشيء مما أصبح في نهاية المطاف حقًا للعامل.
ولأن هذه الأعمال قد أُديت بإخلاص لله تعالى، أخذت الصخرة تنفرج تدريجيًا حتى فُتح مدخل الغار، فخرج الرجال الثلاثة سالمين. وعلى الرغم من أن هذه القصة لا تتعلق بالصدقة على وجه الخصوص، فإنها تقدم صورة بليغة عن أن الكرم الصادق والأمانة والإخلاص تصبح كنوزًا مدخرة عند الله، تنفع الإنسان حين يكون في أمسّ الحاجة إليها.
ويأتينا مثال ملهم آخر من الصحابي الجليل أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه.
فقد كان يمتلك بستانًا يُسمى بيرحاء، وكان من أحب أمواله إليه ومن أجمل بساتين المدينة المنورة، وكان النبي ﷺيدخله. فلما نزل قول الله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [سورة آل عمران: 92].
فبادر أبو طلحة رضي الله عنه إلى التصدق ببستانه العزيز عليه. وأثنى النبي ﷺعلى صنيعه، وأشار عليه أن يجعله في أقاربه.
والدرس المستفاد من هذه القصة خالد لا يتغير بمرور الزمن: فالكرم الحقيقي يبدأ حين يتغلب الإنسان على تعلقه بما يحب. وإن التصدق بما لم نعد بحاجة إليه عمل طيب، لكن التصدق بما نحبه حقًا يترك أثرًا عميقًا في النفس ويهذب القلب.
وعلى امتداد التاريخ الإسلامي، نقل العلماء العديد من التجارب والحكايات الشخصية عن أناس تصدقوا، فعادت إليهم آثار صدقاتهم بطرق لم يكونوا يتوقعونها. ومع أن مثل هذه الروايات ليست أدلة شرعية كالقرآن الكريم أو الأحاديث الصحيحة، فإنها تقدم صورًا جميلة لما شهده المؤمنون من آثار وعد الله وفضله. ويُروى أن تاجرًا اعتاد ألا يبدأ رحلة تجارية دون أن يقدم صدقة في الخفاء. وفي إحدى رحلاته، نجا قافلته بأعجوبة من عملية سطو، بعدما سلك طريقًا غير متوقع بسبب تأخر إحدى دوابه عن القافلة. وكان يقول كلما تذكر تلك الحادثة إن الصدقة القليلة التي قدمها في ذلك الصباح ربما كانت سببًا في أن يصرفه الله عن طريق الخطر ويحفظه من الأذى.
وكان كثير من العلماء والصالحين ينصحون طلابهم بأنه إذا ألمّ بهم المرض، أو اشتدت عليهم المحن، أو خيّم الاضطراب على قلوبهم، فليكثروا من الصدقة قبل الإكثار من الشكوى. فقد كانوا يرون أن الصدقة تخفف وطأة الشدائد، لأنها تقرّب العبد من رحمة الله تعالى.
وحتى اليوم، يروي كثير من المسلمين تجارب تتشابه على نحو لافت.
فقد يتصدق شخص قبل امتحان مهم، ليجد أن السكينة قد حلّت في قلبه بصورة غير متوقعة بدلًا من القلق.
وقد يساعد آخر يتيمًا رغم ضيق حاله المادي، ثم تُفتح أمامه فرصة عمل كان يظن أن الحصول عليها أمر بعيد المنال.
وقد تتكفل أسرة بتعليم طفل محتاج، ثم تشهد عودة الألفة والانسجام إلى بيتها بعد شهور من الخلافات.
وقد تدفع امرأة، في صمت، ثمن دواء لشخص لا تعرفه، ثم تتلقى بعد أيام مساعدة من مصدر لم تكن تتوقعه عندما تواجه أسرتها محنة.
ولا تعني هذه التجارب أن كل صدقة ستؤدي بالضرورة إلى مكافأة دنيوية فورية، وإنما تذكّرنا بأن تدبير الله يتجاوز في كثير من الأحيان حساباتنا وتوقعاتنا. فقد نرى أثر العطاء في هذه الدنيا، وقد يدّخر الله ثوابه للآخرة، حيث يجد الإنسان كل عمل صالح أخلص فيه لله حاضرًا أمامه.
فالكرم يُغيّر المعطي قبل أن يُغيّر حياة الآخذ. إنه يضعف الجشع في النفس، ويعلّم الإنسان الشكر والامتنان، ويذكّرنا بأننا مؤتمنون على ما بين أيدينا ولسنا مالكين حقيقيين له.
والأهم من ذلك أن العطاء يعزّز التوكل على الله والاعتماد عليه. ففي كل مرة نعطي فيها رغم حاجتنا، نعلن في صمت أن ثقتنا ليست فيما نملكه من مال، وإنما في ربنا سبحانه وتعالى. وهذا التوكل يجلب البركة.
اقرأ أيضًا: اليوم الوطني للمانجو.. شجرة بـ300 صنف وأخرى بـ14 ترويان قصة ابتكار مزارعَين هنديين
فيصبح المال المكتسب بالحلال كافيًا، والطعام أكثر إشباعًا، والبيوت أكثر سكينة، وينشأ الأبناء على الشكر والقناعة، ويغدو الوقت أكثر نفعًا وإنتاجًا، وتصبح الحياة نفسها أكثر راحة وطمأنينة. وإنها نعم وبركات لا تستطيع أي كشوف أو حسابات مالية أن تقيس قيمتها.