آواز دي وايس/ نيودلهي
بعد منتصف الليل، يخرج شقيقان إلى شوارع مدينة رانتشي حاملين الطعام. ففي ذلك الوقت يكون معظم سكان المدينة قد عادوا إلى منازلهم، بينما يقضي كثير من الأشخاص ليلتهم في العراء على جوانب الطرقات، وبعضهم لا يجد ما يأكله في تلك الليلة. وهنا يظهر ريحان وفرحان وهما يؤديان مهمة إيصال الطعام إلى هؤلاء المحتاجين.
وانتشر خلال الأيام الماضية مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل واسع، يظهر فيه الشقيقان ريحان وفرحان، وهما من سكان مدينة رانتشي، يوزِّعان الطعام على المحتاجين في ساعات متأخرة من الليل. ويظهر الشقيقان في الفيديو وهما يتوجهان إلى الأشخاص الذين ينامون على جوانب الطرقات والأرصفة، حاملين أكياس الطعام، فيقدمانها لهم ثم يواصلان طريقهما.
وأكثر ما أثار اهتمام المتابعين في المعلومات المرافقة للفيديو هو وصية والدهما لهما. فقد قيل إن الأب أخبر الشقيقين بأنه يمكنهما خلال النهار أن يعيشا حياتهما ويقوما بأعمالهما كما يشاءان، لكن إيصال الطعام ليلًا إلى الجياع والأشخاص الذين ينامون على الأرصفة مسؤولية تقع على عاتقهما. وهذه الوصية تحديدًا هي التي جعلت هذا الفيديو يتجاوز كونه مجرد مشهد عادي لتوزيع الطعام.
مبادرة بدأت خلال فترة الإغلاق
وفقًا لما ورد في منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، بدأ ريحان وفرحان توزيع الطعام على الفقراء خلال فترة الإغلاق التي فُرضت بسبب جائحة كوفيد-19. ففي تلك الفترة، واجه عدد كبير من العمال والأسر الفقيرة أزمة غذائية، بعدما توقفت الأعمال وتأثرت الأسواق والأنشطة التجارية، وأصبح آلاف الأشخاص بحاجة إلى المساعدة حتى لتأمين وجباتهم اليومية.
وفي تلك الظروف، بدأ الشقيقان إيصال الطعام إلى المحتاجين. وتشير المعلومات المتداولة إلى أن هذه المبادرة لم تتوقف حتى بعد انتهاء فترة الإغلاق، إذ لا يزال الشقيقان حتى اليوم يخرجان ليلًا إلى شوارع رانتشي ويوزعان الطعام على الفقراء والأشخاص الذين يعيشون على الأرصفة. ويكمن الجانب المميز في هذه القصة في تحويل هذا العمل من مساعدة تُقدَّم في يوم معين أو مناسبة خاصة إلى مسؤولية يومية مستمرة.
وصية الأب أصبحت عادة يومية
توضح المنشورات المرتبطة بالفيديو المتداول أن والد الشقيقين كان يوصيهما دائمًا بأنه إذا رأيا شخصًا جائعًا، فعليهما إطعامه. ومن هذا المنطلق، يخرج ريحان وفرحان كل ليلة للبحث عن المحتاجين وتقديم الطعام لهم. وتشير المعلومات المتداولة إلى أن العائلة مرتبطة بفندق "سردار فود بلازا" في مدينة رانتشي، حيث يُقدَّم الشقيقان في منشورات مواقع التواصل الاجتماعي على أنهما ابنا مالك الفندق. ومع ذلك، لا تزال المعلومات المستقلة والمفصلة المتاحة على الإنترنت بشأن العائلة وأنشطتها الخيرية محدودة.
ولذلك، لا ينبغي التعامل مع جميع الادعاءات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي بوصفها حقائق مؤكدة ونهائية. ولكن الفيديو المنتشر يُظهر بالفعل الشقيقين وهما يقدمان الطعام للناس في ساعات الليل.
رانتشي بعد منتصف الليل.. حياة على الأرصفة
يختلف مشهد شوارع مدينة رانتشي ليلًا كثيرًا عما هو عليه خلال النهار. فالمتاجر تُغلق أبوابها، وتقل حركة الناس والمركبات، لكن بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعيشون على الأرصفة، تبدأ قصة ليل آخر. فبعضهم لا يملك سوى غطاء قديم يلتف به، بينما ينام آخرون على أكياس أو قطع من القماش، وهناك من لا يجد حتى وسادة يضع عليها رأسه. كما أن تأمين الطعام يشكل مصدر قلق يومي لكثير منهم.
وفي هذا الوقت، يصل ريحان وفرحان إليهم حاملين أكياس الطعام. ويظهر الشقيقان في الفيديو المتداول وهما يقدمان الطعام للمحتاجين على جوانب الطرقات. ولعل أكثر ما يميز هذه المبادرة هو بساطتها؛ فلا يوجد برنامج كبير ولا منصة أو مراسم، بل مجرد وجبات طعام ومحاولة صادقة لإيصالها إلى من يحتاج إليها.
إشادة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي
بعد انتشار الفيديو على نطاق واسع، انهالت عبارات الإشادة بالشقيقين على مواقع التواصل الاجتماعي. واعتبر كثيرون ما يقومان به مثالًا للإنسانية، فيما رأى بعض المستخدمين أن إطعام شخص جائع يُعد من أبسط وأهم أشكال المساعدة. وتزعم المنشورات أيضًا أن الشقيقين يقدمان الطعام للمحتاجين دون تمييز على أساس الدين. ويظهر في مقاطع الفيديو المتاحة أنهما يوزعان الطعام على أشخاص مختلفين، إلا أن هذا الادعاء لم يتسنَّ التحقق منه بشكل مستقل من خلال المواد المتاحة. لكن ردود فعل الناس تُظهر بوضوح أن أكثر ما أثار إعجابهم هو خروج الشقيقين ليلًا للبحث عن المحتاجين ومساعدتهم.
مبادرة بدأت قبل ظهور الكاميرات
لا شك أن انتشار الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي زاد من الاهتمام بهذه المبادرة، لكن إذا كانت المعلومات الواردة في المنشورات صحيحة، فإن هذا العمل بدأ قبل وقت طويل من انتشار الفيديو. وليس من السهل الاستمرار في تقديم هذه الخدمة لسنوات، خاصة إذا كانت قد بدأت خلال فترة الإغلاق بسبب جائحة كوفيد-19. ففي ذلك الوقت كانت الحاجة إلى المساعدة أكبر، ثم عادت الحياة تدريجيًا إلى طبيعتها، ومع ذلك تشير المعلومات المتداولة إلى أن الشقيقين واصلا الخروج ليلًا وتوزيع الطعام. وهذا الاستمرار هو ما يمنح هذه القصة خصوصيتها. فكثير من الناس يبادرون إلى تقديم المساعدة خلال الأزمات، لكن مع مرور الوقت وانشغالهم بأعمالهم وحياتهم اليومية، قد تتراجع مثل هذه المبادرات. وأما المنشورات المتداولة عن ريحان وفرحان، فتقدم صورة مختلفة عن استمرار العمل الإنساني وتحويله إلى مسؤولية يومية.
الإنسانية قبل الانتماء الديني
لا تحظى هذه القصة بكل هذا الاهتمام لمجرد أن شقيقين يقدمان الطعام للفقراء، بل إن المنشورات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي تؤكد أيضًا أنهما لا ينظران إلى الهوية الدينية لمن يتلقيان الطعام أثناء توزيعه. فالجوع لا يحمل هوية، وأول ما يحتاج إليه الإنسان المحتاج هو الطعام. ويربط كثيرون هذه المبادرة بهذه الفكرة الإنسانية. ففي مدينة مثل رانتشي، قد تشكّل وجبة واحدة أهمية كبيرة للأشخاص الذين يعيشون على الأرصفة، ولذلك فإن إيصال الطعام إليهم بصورة منتظمة يمثّل مساعدة مباشرة لهم.
اقرأ أيضًا: حديقة كونو.. وجهة سياحية وطبيعية تحمي الفهود وتحتضن التنوع البيولوجي
ويتحدث كثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب إشادتهم بريحان وفرحان، عن التربية التي تلقياها من والدهما. ويرى البعض أن تعليم الأبناء لا ينبغي أن يقتصر على الدراسة وبناء المستقبل المهني، بل من المهم أيضًا غرس الشعور بالمسؤولية تجاه الفئات الضعيفة في المجتمع. وهذا ما يتجلى في قصة الشقيقين، إذ تحولت نصيحة بسيطة من والدهما إلى عمل يومي. وتؤكد هذه القصة أن خدمة المجتمع لا تبدأ دائمًا بموارد ضخمة، ففي بعض الأحيان يمكن أن