في زمن الشاشات.. كفيل يحافظ على سحر الملصقات المرسومة يدويًا

09-07-2026  آخر تحديث   | 09-07-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
الرسام كفيل
الرسام كفيل

 


أشهر عالم / نيودلهي

في أحد الأزقة الضيقة القريبة من المسجد الجامع في دلهي القديمة، يواصل الرسام كفيل، البالغ من العمر 70 عامًا، الحفاظ على أحد الفنون الآيلة إلى الاندثار، وهو رسم ملصقات وإعلانات أفلام بوليوود يدويًا.

ويقع مرسمه المتواضع في منطقة ماتيا محل، حيث يبدو المكان أشبه بمتحف حي أكثر من كونه ورشة عمل. فالملصقات الباهتة، واللوحات الإعلانية غير المكتملة، والجدران الملطخة بالألوان، والفرش المستهلكة، جميعها تروي قصة حقبة فنية تتلاشى تدريجيًا.

وقبل أن تهيمن الشاشات الرقمية واللافتات المطبوعة على المشهد الحضري، كانت فرشاة كفيل أحمد أنصاري تُضفي الحياة على نجوم بوليوود فوق اللوحات الإعلانية العملاقة. فقد رسم ملصقات لأفلام أيقونية مثل "ديوار" و"باكيزة" و"مغول أعظم" و"رام أور شيام"، محولًا شوارع المدن إلى مسارح مفتوحة، والجدران إلى مساحات تنبض بالحكايات والمشاعر.

وُلد كفيل، المعروف أيضًا باسم "الرسام كفيل"، في مدينة أونلا التابعة لمنطقة بريلي بولاية أوتار براديش. وقد بدأ شغفه بالفن منذ أيام الدراسة، حيث تعلّم فن الخط على يد أستاذه نعمة الله أنصاري.

https://www.awazthevoice.in/upload/news/1783006704WhatsApp_Image_2026-07-02_at_7.27.53_PM_(1).jpeg

ثم واصل صقل موهبته، فكان يقضي ساعات طويلة يراقب الفنان المحلي شبير رضا خان وهو يرسم بهدوء وإتقان. ومنذ ذلك الحين، لم يكن شغفه مقتصرًا على الرسم فحسب، بل كان مفتونًا بسرد الحكايات من خلال الألوان.

ولم تكن رحلته سهلة على الإطلاق. ففي عام 1980م، وبعد وفاة والده وانهيار تجارة العائلة، انقلبت حياته رأسًا على عقب. ولم يكن يملك سوى ألف روبية في جيبه، فغادر مسقط رأسه متوجهًا إلى دلهي بحثًا عن فرصة للعيش ومستقبل أفضل.

وكانت دلهي مدينةً صاخبة ومربكة، لكنها في الوقت نفسه زاخرة بالإمكانات. وأقام لدى أقاربه في شرق دلهي، وبدأ يجوب شوارع المدينة على دراجة هوائية، حاملاً فرش الرسم وعلب الألوان وأحلامًا أكبر من ظروفه. وراح يطرق الأبواب بحثًا عن عمل، حتى نجح تدريجيًا في إيجاد مكان له داخل المشهد الفني في المدينة.

وكانت نقطة التحول الحقيقية في مسيرته الفنية عندما تتلمذ على يد الرسام المخضرم فيض صديقي، حيث تلقّى تدريبه على يديه لمدة تقارب تسعة عشر عامًا. وخلال تلك الفترة، اكتسب الانضباط والمهارة الفنية، وتعلّم أسرار الرسم على المساحات الكبيرة، وكيفية تحويل الرسومات الصغيرة إلى لوحات سينمائية ضخمة تزين واجهات المباني وتلفت أنظار المارة.

وبحلول عام 1999م، افتتح كفيل مرسمه الخاص في منطقة ماتيا محل، بالقرب من المسجد الجامع في دلهي. وسرعان ما أصبحت أعماله جزءًا من المشهد البصري للعاصمة؛ فمن ملصقات الأفلام إلى اللافتات التجارية، ومن اللوحات الإعلانية الخاصة بالمسارح إلى الإعلانات المرسومة يدويًا، غدت بصمته الفنية حاضرة في الأزقة المزدحمة لمدينة دلهي.

ولكن مع مطلع الألفية الجديدة، بدأت ملامح هذا الفن تتغير بفعل الثورة التكنولوجية. فقد حلت آلات الطباعة على اللافتات المرنة، واللافتات الرقمية المطبوعة بتقنية نفث الحبر، والتصاميم الحاسوبية، محل الملصقات المرسومة يدويًا. ومع مرور الوقت، غادر الرسامون هذه المهنة واحدًا تلو الآخر، وأُغلقت ورش فنية كثيرة، وأخذ فنٌ كان يومًا جزءًا من الهوية البصرية للسينما الهندية يتوارى تدريجيًا في صفحات الذاكرة.

https://www.awazthevoice.in/upload/news/1783006746WhatsApp_Image_2026-07-02_at_7.27.53_PM_(2).jpeg

ويستعيد كفيل تلك المرحلة بكثير من التأمل، قائلاً: "غادر كثير من الرسامين المدينة، وتوقف آخرون عن العمل. فقدت الفرشاة قيمتها عندما استحوذت الآلات على المهنة، ولم يكن البقاء ممكنًا إلا لمن استطاع التكيف مع هذا التغيير".

ويضيف أن هذا التحول لم يكن بالنسبة إلى كثير من فناني جيله مجرد تغيير في أسلوب العمل، بل كان نهايةً لهوية مهنية رافقتهم طوال حياتهم.

وجرّب كفيل لفترة وجيزة استخدام الأدوات الرقمية في محاولة للتكيف مع المتغيرات الجديدة، لكنه شعر بأن شيئًا جوهريًا كان مفقودًا. فالعلاقة الوجدانية بين الفنان ولوحته، وحركة الفرشاة على السطح، والتشكّل التدريجي للصورة، كلها أمور لم يجدها في الفن الرقمي. لذلك، عاد في نهاية المطاف إلى ما شكّل هويته الفنية الحقيقية: الرسم اليدوي.

وحتى اليوم، لا يزال كفيل يجد في كل ضربة فرشاة معنىً خاصًا. فهو يؤمن بأن الملصقات السينمائية المرسومة يدويًا تمتلك روحًا لا تستطيع الآلات استنساخها. ويرى أن الجمهور في الخارج، على وجه الخصوص، يقدّر هذه الأصالة ويثمنها. ويقول: "يرى الناس في الخارج عمقًا خاصًا في الأعمال المرسومة يدويًا. فهي تبدو بالنسبة إليهم نابضة بالحياة، وتمتلك ملمسًا وحضورًا لا يمكن أن توفره الآلات".

وبالنسبة إلى كفيل، لا يُمثل هذا الفن مجرد حنين إلى الماضي، بل هو فلسفة حياة. فالألوان الجريئة والزاهية تجسد، في نظره، التنوع الذي تزخر به الهند، بينما تعكس الخطوط المتداخلة تعقيدها الثقافي، ويجسد الحجم الضخم لأعماله عظمة الأفلام التي كانت تلك اللوحات تروّج لها. ولا تزال بعض ملامح هذا التقليد الفني باقية حتى اليوم على الشاحنات، ولوحات دور السينما القديمة، وبعض الجداريات العامة، لكنها أصبحت نادرة، أشبه بأصداء تتلاشى مع الزمن.

https://www.awazthevoice.in/upload/news/1783006779WhatsApp_Image_2026-07-02_at_7.27.54_PM.jpeg

ورغم ما يحظى به من تقدير واحترام، لا يزال كفيل يحمل أمنية لم تتحقق بعد؛ إذ يتطلع إلى العثور على متدرّب شاب يحمل راية هذا الفن المهدد بالاندثار، ويكون مستعدًا لتعلّم ما يتطلبه من صبر ودقة، وما يمنحه في المقابل من إبداع ومتعة فنية.

اقرأ أيضًا: اكتشاف مخطوطة نادرة من "سنن الترمذي" تعود إلى 350 عامًا في بيهار

وفي الوقت الراهن، لا يزال مرسمه الكائن في أحد الأزقة الهادئة، رغم صخبها، في دلهي القديمة، يضيء لا بأضواء النيون أو الشاشات الرقمية، بل بعلب الألوان، والفرش البالية، وشغفه الذي لا يخبو. وما دامت يده تواصل الإمساك بالفرشاة، فإن العصر الذهبي للملصقات السينمائية المرسومة يدويًا يرفض أن يختفي تمامًا؛ إذ يظل حيًا، بهدوء، في كل ضربة فرشاة يخطّها.