أشفاق قائمخاني/ جايبور
لطالما أنجبت أرض راجستان الرملية رجالًا ونساءً شجعانًا. فعبير هذه التربة مشبع بروح الشجاعة والانضباط والوطنية. وعند الحديث عن الضابطات المسلمات في الجيش الهندي، غالبًا ما تُذكر بعض الأسماء المعروفة، غير أن ابنة قرية صغيرة تُدعى "نوان" في منطقة جونجهونو بولاية راجستان قد تركت أيضًا بصمة قوية في صفحات التاريخ. ذلك الاسم هو العقيدة عشرت أحمد، ضابطة لا تعرف الانكسار، تجري في عروقها ليس فقط روح العسكرية، بل إن عائلتها بأكملها أصبحت نموذجًا يُحتذى به في الخدمة الإدارية والعسكرية.
وليس من قبيل المصادفة أن تُعرف قرية نوان في جونجهونو باسم "قرية الضباط"؛ فهويتها لا تقوم على موقعها الجغرافي فحسب، بل على إرث طويل من الكفاءة والخدمة. ومؤخرًا، أُسندت إلى العقيدة عشرت أحمد، فخر هذه القرية، قيادةُ وحدة الذخائر في الجيش الهندي بمدينة ميروت.ولا يُعد هذا الإنجاز مجرد ترقية وظيفية، بل هو لحظة فخر لمجتمع القائمخاني ولولاية راجستان بأكملها. فهي أول ضابطة من هذا المجتمع تتولى مسؤولية منصب عسكري مهم وإستراتيجي من هذا النوع في الجيش.
ولم يأتِ نجاح عشرت أحمد بين ليلة وضحاها، بل هو ثمرة تقاليد عائلية راسخة وسنوات طويلة من الجهد والانضباط. فقد كان والدها، الراحل المقدم زكي أحمد، أول ضابط من قرية نوان يحصل على تكليف مباشر في فيلق التعليم بالجيش الهندي عام 1971م. وكانت مبادئ الانضباط والنزاهة والوطنية ركائز أساسية في حياته، وهي القيم التي تركت أثرًا عميقًا في شخصية عشرت وإخوتها.

وأما شقيقها ثاقب حسين فيخدم برتبة عميد في الجيش الهندي، ويحمل أيضًا لقب أول عميد من مجتمع القائمخاني. وإن علاقة هذه العائلة بالجيش لا تقتصر على مجرد المشاركة، بل تمتد إلى القيادة وتحمل المسؤولية. كما خدم جدّ عشرت لأمها برتبة نقيب في الجيش. ونشأت عشرت في بيئة يحيط بها الزي العسكري والأوسمة وأجواء الانضباط، لذلك لم يكن الانضمام إلى الجيش مجرد خيار مهني بالنسبة إليها، بل كان نداءً طبيعيًا.
وعندما التحقت بالجيش الهندي بعد حصولها على التكليف العسكري من تشيناي عام 2001م، دخلت الميدان وهي مستعدة تمامًا لمواجهة كل التحديات. وقد أثبتت أن الإرث العائلي لا يُحفظ بالاسم وحده، بل يجب أن يُواصل بالجدارة والكفاءة.
ولا يقتصر إرث عائلة العقيدة عشرت أحمد على المجال العسكري فحسب، بل يمتد إلى الخدمات الإدارية. فقد شغل عمّاها أشفاق حسين وذاكر حسين مناصب في الخدمة الإدارية الهندية، وتولّيا مناصب مهمة من بينها منصب قاضي المقاطعة. كما أن صهر العائلة قمر الزمان تشودري يشغل حاليًا منصب قاضي مقاطعة سيكار.
وفي مجال الشرطة، أصبح الراحل لياقت علي خان أول مفتش عام للشرطة مسلم في ولاية راجستان. وأما شقيقتها فرح حسين فهي ضابطة في خدمة الإيرادات الهندية، بينما تعمل شقيقتها الأخرى كائنات خان بوظيفة مُعدّة قانونية في سكرتارية حكومة راجستان في جايبور.
كما تعزز أسماء مثل شاهين خان ومونيكا شاهين خان (نائبة المفتش العام للسجون) وسليم خان وثناء خان وجاويد خان حضور العائلة في الخدمة الإدارية براجستان. وإن وجود هذا العدد الكبير من المسؤولين رفيعي المستوى في عائلة واحدة يُعد أمرًا استثنائيًا، ومصدر إلهام للأجيال القادمة.
ورغم هذه الإنجازات الكبيرة، تبقى بساطة العقيدة عشرت أحمد أعظم نقاط قوتها. فهي تفضّل الابتعاد عن الأضواء الإعلامية. وتذكر شقيقتها شبنم خان أنه كلما زارت عشرت قريتها نوان، فإنها تخصّص وقتها لتحفيز الشباب، ولا سيما الفتيات. إذ ترشدهن إلى فرص العمل في الجيش، وتشاركهن نصائح حول الاستعداد للامتحانات التنافسية، وتغرس فيهن الثقة بالنفس. وهي تؤمن بأن الزي العسكري ليس مجرد وظيفة، بل رمزٌ للمسؤولية تجاه الوطن والمجتمع.
وبالنسبة إلى والدتها شميمة بانو، فإن وجود ابنها وابنتها معًا في مناصب رفيعة داخل الجيش يعدّ مصدر فخر عظيم. فعندما تسلّمت العقيدة عشرت قيادة وحدتها في ميروت، كانت والدتها إلى جانبها برفقة العميد ثاقب حسين. وقد مثّلت تلك اللحظة رمزًا ليس فقط لإنجاز عائلة واحدة، بل أيضًا دلالة على تحوّل اجتماعي متزايد ومشاركة أوسع للمرأة المسلمة.

وأما بالنسبة إلى مجتمع القائمخاني، فإن هذا الإنجاز يحمل أهمية خاصة. فالمجتمع الذي ارتبط تاريخيًا بالشجاعة والتقاليد العسكرية، استطاع في العصر الحديث أن يصنع لنفسه هوية مميزة أيضًا في مجالات التعليم والخدمات الإدارية. وقد ضخّ نجاح العقيدة عشرت طاقة جديدة في أوساط المجتمع، ويرى الناس أن هذا الإنجاز سيصبح منارةً تهدي الأجيال القادمة.
وتُظهر قصة العقيدة عشرت أحمد أن الإرث الحقيقي لا يُبنى بمجرد الرتب أو المكانة، بل يُحافظ عليه عبر العمل المتواصل والتفاني والانضباط. فبعد وفاة والدها عام 1995م، كان التماسك والصمود اللذان أظهرتهما العائلة في مواصلة مسيرتها مصدر إلهام كبير. وقد أثبتوا أن أصعب الظروف لا تستطيع الصمود أمام قوة الإرادة والعزيمة.
واليوم، بينما تتولى العقيدة عشرت أحمد قيادة وحدة الذخائر في ميروت، يتشكل حلم جديد في عيون كل فتاة من قرية نوان- حلم ارتداء الزي العسكري، وخدمة الوطن، وجلب الفخر للعائلة والمجتمع.
اقرأ أيضًا: أنيسة نبي.. ضابطة خدمة مدنية تروّج للياقة البدنية بين النساء والشباب
وتعلّمنا مسيرة عشرت أحمد أن تلاقي القيم العائلية والتعليم والجهد الشخصي في اتجاهٍ واحد يجعل تحقيق أي هدف ممكنًا. فإنها تمثّل اليوم واقعًا مشرفًا وإلهامًا للمستقبل. وتحمل قصتها رسالة قوية مفادها أن عندما تتقدّم البنات إلى الأمام، فإنهن لا يرفعن أحلامهن وحدها، بل يرفعن آمال مجتمعٍ كامل إلى آفاقٍ أرحب.