فيدوشي غور / نيودلهي
في مجتمعٍ تسبق فيه الافتراضاتُ غالبًا الإنجازات، برزت صوفيا قريشي كرمزٍ قوي للتحدّي الهادئ. مرتديةً الزيّ العسكري بلونه الأخضر الزيتوني، لم تكتفِ بخدمة الوطن بتميّز، بل عملت أيضًا على تفكيك الصور النمطية الراسخة حول النوع الاجتماعي والدين والقيادة في المؤسسة العسكرية. ولم تكن رحلتها قائمة على تصريحات صاخبة أو مواجهات درامية، بل على التميّز المستمر والانضباط والإيمان الراسخ بالكفاءة.
وُلدت صوفيا قريشي في أسرة متواضعة، ونشأت على إحساس قوي بالهدف وحبّ الوطن. ولم تكن فكرة خدمة البلاد بالنسبة إليها مجرد مفهوم نظري، بل كانت مسألة شخصية عميقة. وفي وقتٍ كان يُنظر فيه إلى المهن العسكرية على أنها حكرٌ على الرجال، شكّل طموحها لارتداء الزي العسكري تحدّيًا للتوقعات الاجتماعية. فقد طُرحت تساؤلات وأُثيرت شكوك، وغالبًا ما تحوّلت النصائح التي قُدّمت لها بحسن نية إلى محاولات تثبيط. ولكنها واصلت طريقها، مدفوعةً بقناعةٍ راسخة بأن الزي العسكري لا يعترف إلا بالكفاءة، لا بالنوع أو الخلفية.
وكان انضمامها إلى الجيش الهندي بدايةً لتجاوز سلسلة من الحواجز التي ستكسرها تباعًا. فالأكاديميات العسكرية تُصمَّم لاختبار القدرة البدنية، والصلابة الذهنية، والقوة النفسية. وبالنسبة إلى صوفيا، كانت هذه الاختبارات تحمل عبئًا إضافيًا غير معلن، يتمثل في تمثيلها ليس فقط لنفسها، بل لكل امرأة تجرأت على الحلم بمكان في القوات المسلحة. وقد واجهت هذه التحديات بثبات، وسارت جنبًا إلى جنب مع زملائها من الرجال، مثبتةً من خلال أدائها أن الكفاءة لا جنس لها. ومع تقدمها في الرتب، واجهت صوفيا قريشي صورة نمطية أخرى راسخة، مفادها أن النساء في الجيش يصلحن فقط للأدوار المحدودة أو المساندة. غير أن مسيرتها المهنية دحضت هذا التصور بشكل حاسم. فمن خلال تولّيها مهاما تشغيلية معقدة، أظهرت تفكيرًا استراتيجيًا حادًا، وقيادة هادئة تحت الضغط، وقدرة على فرض الاحترام في بيئات عالية المخاطر. وقد أكسبها احترافها ثقة رؤسائها ومرؤوسيها على حد سواء، مؤكدةً أن السلطة تنبع من المهارة والنزاهة، لا من الافتراضات الاجتماعية.

كما أصبحت مسألة الدين عدسة غير معلنة ينظر من خلالها البعض إلى مسيرتها. ففي زيّها العسكري، تحدّت صوفيا قريشي السرديات المبسّطة التي كثيرًا ما تُفرض على النساء المسلمات. ولم تسعَ إلى تفسير هويتها أو الدفاع عنها، بل تركت سجلّها المهني يتحدّث عنها. وبالنسبة إليها، لم يكن هناك أي تعارض بين الإيمان والانتماء الوطني. فمن خلال خدمتها المتميزة للوطن، فنّدت بهدوء وثبات الثنائية الزائفة التي تشكّك في ولاء الأقليات. وكانت ترى دائمًا أن الزيّ العسكري عامل مساواة حقيقي، إذ يفرض الالتزام بالوطن فوق كل اعتبار.
وجاءت إحدى اللحظات الفارقة في مسيرتها عندما أُسندت إليها أدوار قيادية ذات حضور وطني ودولي. ولم تكن هذه المهام مجرّد خطوات رمزية، بل كانت اعترافًا بكفاءتها. فبينما كانت تقف أمام الوحدات، وتصدر الأوامر، وتمثّل الهند في المحافل المهنية، جسّدت نموذجًا جديدًا للقيادة؛ نموذجًا واثقًا، شاملًا، ومتجذرًا في القيم. وبالنسبة إلى الفتيات الشابات اللواتي كنّ يتابعنها من بعيد، كان مجرد حضورها كافيًا لتوسيع آفاق ما يمكن تحقيقه.
ومع ذلك، فإن تأثير صوفيا قريشي يتجاوز حدود الإنجازات والأوسمة، ليكمن في تفاصيل المثابرة اليومية - الحضور المستمر، والأداء المتقن، والقيادة في مجالات لا تزال النساء ممثَّلات فيها بشكل محدود. وقد أكدت مرارًا على أهمية جعل وجود النساء في الزي العسكري أمرًا طبيعيًا، بحيث لا تُنظر إلى الأجيال القادمة كاستثناء، بل كجزء متكافئ. ويقوم نهجها في التغيير على التطوّر التدريجي لا المواجهة، انطلاقًا من إيمانها بأن التميّز المستدام هو الردّ الأكثر فاعلية على التحيّز.

ويصفها زملاؤها بأنها شخصية منضبطة ومتزنة، تقود بالقدوة لا بالسلطة فقط. وأما مرؤوسوها، فيرون فيها مرشدة تدرك ضغوط الخدمة وأهمية العمل الجماعي. وبينما يراها رؤساؤها ضابطة تجمع بين الكفاءة التشغيلية والذكاء العاطفي، وهو توازن بات ضروريًا بشكل متزايد في القيادة العسكرية الحديثة.
وفي إعادة تعريف الصور النمطية، أعادت صوفيا قريشي أيضًا تعريف معنى النجاح. فبالنسبة إليها، لا يتمثل الانتصار في التقدّم الشخصي فحسب، بل في توسيع الأبواب تدريجيًا أمام الآخرين. فكل مهمة تُنجزها، وكل موقع قيادي تتولاه، يسهم في تقويض التصورات القديمة. وتؤكد رحلتها حقيقة بسيطة لكنها عميقة التأثير: عندما تلتزم المؤسسات بالكفاءة، ويكرّس الأفراد أنفسهم للتميّز، فإن الصور النمطية لا بد أن تنهار.
اقرأ أيضًا: سارة رضوي.. أول امرأة مسلمة في خدمة الشرطة الهندية ضمن كادر ولاية غوجارات
واليوم، تقف صوفيا قريشي شاهدًا حيًا على ما يمثّله الزي العسكري حقًا، الخدمة، والتضحية، والوحدة. فقصتها ليست مجرد كسر للحواجز، بل بناء للثقة، وإلهام للتغيير، وتذكير بأن الشجاعة لها وجوه متعددة. ومن خلال زيّها الأخضر الزيتوني، أثبتت أن أقوى رد على التحيّز ليس الاحتجاج، بل الهدف، وأن الصور النمطية، مهما ترسّخت، لا يمكنها الصمود أمام قوة العزيمة المستمرة.