ثمينة حميد.. المرأة التي حوّلت "سيبلا" إلى عملاق عالمي في صناعة الأدوية

24-08-2026  آخر تحديث   | 24-08-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
ثمينة حميد
ثمينة حميد

 


مرودغاندا ديكسيت

عندما نالت الهند استقلالها، كان متوسط العمر المتوقع للمواطن الهندي يتراوح بين 27 و28 عامًا، ولذلك كان من الضروري إيلاء اهتمام كبير للنظام الصحي في البلاد. كما كانت الأوضاع الاقتصادية للهند صعبة للغاية، وكانت الحاجة ملحّة إلى بناء نظام رعاية صحية ذي طابع اجتماعي يستطيع الفقراء تحمّل تكاليفه.

وفي تلك الفترة أيضًا، كانت شركات الأدوية تواجه اتهامات بتحقيق أرباح مبالغ فيها. وفي ظل هذه الظروف، كان من الضروري ظهور شركات محلية وتمكين الهند من تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال تصنيع الأدوية.

وتحتل شركة "سيبلا" صفحة ذهبية في هذا التاريخ. غير أن أي مؤسسة تتجاوز مسيرة ثمانية عقود تواجه تحديًا كبيرًا يتمثل في التوفيق بين قيمها التقليدية والتطورات التكنولوجية المتسارعة في عالم اليوم. وقد واجهت ثمينة حميد، التي تنتمي إلى الجيل الثالث من عائلة حميد، هذا التحدي.

وأدت ثمينة دورًا محوريًا في تحويل شركة كانت قيمتها السوقية تبلغ في السابق 227 مليار روبية إلى عملاق تجاوزت قيمته السوقية مؤخرًا حاجز 1 لاك كرور روبية (نحو تريليون روبية). وحققت ذلك من خلال الموازنة بين "الانضباط المؤسسي" و"النهج الإنساني" لدفع نمو الشركة. وقد تبدو رحلة ثمينة سهلة بالنسبة لمن ينظر إليها من الخارج، بحكم أنها وُلدت "وفي فمها ملعقة من ذهب"، إلا أنها واجهت تحديات كبيرة في إعادة تنشيط شركة كان نموها قد أصابه الركود. فأدخلت أفكارًا جديدة داخل "سيبلا"، ومنحت هذه المؤسسة العريقة طابعًا عصريًا.

وكان جدها ومؤسس شركة "سيبلا"، خواجة عبد الحميد، قد أسّس الشركة في حقبة ما قبل استقلال الهند، مستلهمًا أفكار المهاتما غاندي ومبادئه. وفي وقت لاحق، عمل والدها إم. كيه. حميد وعمها الدكتور واي. كيه. حميد على توسيع أعمال الشركة، ليس في الهند فحسب، بل على مستوى العالم. ومن خلال كسر احتكار شركات الأدوية الغربية العملاقة، أسهما في توفير أدوية فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز بأسعار معقولة للغاية للعديد من البلدان النامية، بما في ذلك دول في إفريقيا.

وقضت ثمينة طفولتها في مدينة مومباي، ثم سافرت إلى لندن لمواصلة تعليمها العالي. وبعد حصولها على درجة الماجستير في "المحاسبة والتمويل الدوليين" من كلية لندن للاقتصاد المرموقة، كان الاعتقاد السائد أنها ستنضم مباشرة إلى شركة "سيبلا". لكنها خالفت التوقعات وبدأت مسيرتها المهنية في شركة "غولدمان ساكس". وانضمت ثمينة إلى "سيبلا" عام 2011، حيث واجهت في ذلك الوقت تحديين رئيسين: أولهما كسب ثقة الفريق المخضرم وذوي الخبرة في الشركة، وثانيهما نقل "سيبلا" من صورتها كشركة أدوية هندية تقليدية إلى شركة عملاقة متعددة الجنسيات.

وتولت ثمينة مسؤولية "المشروعات الاستراتيجية" في الشركة.

ويتميز أسلوبها في العمل بالانضباط والحزم والرؤية المستقبلية. فقد استقطبت خبراء ومتخصصين على مستوى عالمي إلى الشركة، وطبقت أنظمة إدارية صارمة. ويُعد الانضباط الذي تتميز به شركة "سيبلا" اليوم ثمرة للجهود التي بذلتها ثمينة على مدى العقد الماضي. ومن أبرز الأمثلة على رؤيتها المستقبلية تأسيس شركة "سيبلا هيلث المحدودة" خلال عامي 2015 و2016. إذ أكّدت أهمية التواصل المباشر مع المستهلكين، بدلًا من الاعتماد فقط على وصفات الأطباء. وقد لاقت رؤيتها، التي طرحتها أثناء عرض إستراتيجية هذا المشروع الجديد، انتشارًا واسعًا. وقالت: "لتحقيق النجاح في قطاع الرعاية الصحية الاستهلاكية، نحن بحاجة ماسة إلى عقلية: "الدواء في الداخل والسلع الاستهلاكية في الخارج". وهذا يعني أن المنتج، عند تصنيعه، يجب أن يتمتع بالدقة العلمية والموثوقية التي تتميز بها شركات الأدوية، لكن عند تسويقه، ينبغي الترويج له مباشرة وبقوة للمستهلكين، كما يحدث مع منتجات مثل الصابون والشامبو".

ونتيجة مباشرة لهذه الإستراتيجية، أصبحت علامات تجارية مثل "نيكوتكس" (منتجات الإقلاع عن التدخين)، و"كوفسيلز" (أقراص وشراب السعال)، و"أومنيجل" (مرهم وبخاخ لتخفيف الألم)، و"ماكسيريتش" (مكملات متعددة الفيتامينات) حاضرة اليوم في معظم البيوت الهندية. ومن خلال دخول "سيبلا" بنجاح إلى قطاع المنتجات التي تُصرف دون وصفة طبية، جعلت ثمينة علامة "سيبلا" تصل مباشرة إلى صندوق الإسعافات الأولية لدى عامة الناس.

وفي عهد ثمينة، برزت "سيبلا" بقوة على الخريطة العالمية، إذ زادت صادراتها واستحوذت الشركة على شركات في الخارج. ويُعد الاستحواذ على شركات مثل "إنفاجن فارماسوتيكالز" و"إكسيلان" في الولايات المتحدة خلال عامي 2015 و2016 من أكثر الخطوات جرأة في تاريخ "سيبلا". وقد أتاح هذا القرار للشركة دخول السوق الأمريكية شديدة التنظيم. واليوم، سواء في جنوب إفريقيا أو الولايات المتحدة، تُعرف علامة "سيبلا" باعتبارها اسمًا موثوقًا.

واليوم، تساعد أجهزة الاستنشاق التي تنتجها "سيبلا" ملايين المرضى حول العالم على التنفس بصورة أفضل. كما دفعت ثمينة بفاعلية سياسة الشركة الرامية إلى توفير أدوية الأمراض الخطيرة، مثل السرطان وفيروس نقص المناعة البشرية، لعامة الناس بأسعار ميسورة. وتؤمن ثمينة إيمانًا راسخًا بأن "الدواء ليس وسيلة لتحقيق الربح، بل هو حق للمريض".

وخلال الجائحة العالمية، عندما توقفت الحياة في معظم أنحاء العالم، عملت ثمينة حميد وفريقها ليلًا ونهارًا، وواجهوا تحديًا كبيرًا تمثل في ضمان توفير الأدوية الضرورية، مثل "ريمديسيفير"، في الوقت المناسب.

وكانت ثمينة تتابع شخصيًا سلسلة الإمدادات والعمليات اللوجستية، واضعةً الأرباح جانبًا، ومُعطية الأولوية لإيصال الأدوية إلى أكبر عدد ممكن من المرضى. وقد عبّرت ثمينة حميد عن موقف شركة "سيبلا" بوضوح قائلة: "في هذه الفترة من الجائحة العالمية، أثبت شعارنا معناه الحقيقي. فنحن ملتزمون التزامًا كاملًا بضمان توافر الأدوية المنقذة للحياة دون انقطاع لكل مريض محتاج في مواجهة كوفيد-19".

وحظيت إنجازات ثمينة بالتكريم في مناسبات عديدة، إذ أدرجتها منشورات مرموقة مثل "فورتشن إنديا" و"بيزنس توداي" مرارًا ضمن قائمة "أقوى النساء في عالم الأعمال في الهند". كما ورد اسمها في قائمة مجلة "فوربس" للنساء الأكثر تأثيرًا في آسيا. ومع ذلك، فإن الأهم من هذه الجوائز هو الدور الذي تؤديه على مستوى السياسات لخدمة صناعة الأدوية الهندية بأكملها من خلال "التحالف الصيدلاني الهندي". ويُعد انتخابها نائبًا لرئيس التحالف للفترة 2021–2023 محطة مهمة في مسيرتها المهنية. ومن خلال "مؤسسة سيبلا"، نفذت ثمينة عددًا من المبادرات في مجالات الصحة والتعليم وتنمية المهارات.

وقدّم "مركز سيبلا للرعاية التلطيفية والتدريب" علاجًا مجانيًا يحفظ كرامة المرضى المصابين بالسرطان في مراحله المتقدمة. كما كانت ثمينة القوة الدافعة الرئيسة وراء إنشاء شبكة من وحدات الرعاية الصحية المتنقلة في المناطق الريفية. وقد قالت في إحدى المناسبات: "لا يمكن قياس نجاحنا من خلال الميزانية العمومية، بل ينبغي قياسه بعدد الأرواح التي أنقذناها".

اقرأ أيضًا: فرح ملك بهانجي: أغنى امرأة مسلمة في الهند

وفي حديثها عن رؤيتها الاجتماعية، تقول ثمينة حميد: "الرعاية الصحية ليست مجرد عمل تجاري، بل هي حق أساسي من حقوق الإنسان. ومسؤوليتنا لا تقتصر على تصنيع الأدوية فحسب، بل نريد بناء نظام يتيح حتى لأشد المرضى فقرًا الحصول على علاج كريم وبأسعار ميسورة". واليوم، تخطو شركة "سيبلا" نحو مجال الرعاية الصحية الرقمية والطب الدقيق، وتقود ثمينة هذا التحول. وتعني الرعاية الصحية الرقمية جعل الخدمات الصحية أكثر ذكاءً بمساعدة التكنولوجيا وتطبيقات الهواتف المحمولة، ويشمل ذلك استشارة الأطباء عبر مكالمات الفيديو من المنزل، واستخدام الأجهزة القابلة للارتداء مثل الساعات الذكية وأساور اللياقة البدنية.