2025: ترسّخ السلام في كشمير رغم الهجوم في باهالغام

29-12-2025  آخر تحديث   | 28-12-2025 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
2025: ترسّخ السلام في كشمير رغم الهجوم في باهالغام
2025: ترسّخ السلام في كشمير رغم الهجوم في باهالغام

 


 سهيل واني

في كشمير، لا تُقاس السنوات بالأرقام وحدها؛ بل تُعاش، وتُستعاد في الذاكرة، وتُحَسّ في الوجدان. فالزمن هنا لا يسير في خطوط مستقيمة، بل ينعطف كَنهر جهلم، تارةً قلقًا، وتارةً ساكنًا، لكنه يحمل الذاكرة على الدوام. وحين يتحدث الكشميريون عن عام 2025م، لن يستحضره كثيرون بوصفه عامًا للفرجة أو الشعارات، بل عامًا تميّز بشيء أندر وأعمق أثرًا: عودة النفس والقدرة على الاستمرار، رغم الهجوم الإرهابي في باهالغام وما أعقبه من عملية "سِندور".

ورغم كل ذلك، ظلّ أمر واحد ثابتًا في الوادي: البيئة السلمية. ولم يأتِ السلام مصحوبًا باحتفال أو إعلان، ولم يُعرّف بنفسه. وجاء على مهل، بصمتٍ يكاد يكون متردّدًا، كما يذوب الثلج في التربة أو تتفتح أزهار اللوز بلا تصفيق. وتجلّى في لحظات عادية كانت يومًا ما تبدو مستحيلة، أطفال يتجهون إلى مدارسهم دون أن يلتفتوا خلفهم، وأصحاب متاجر يغلقون محالهم مع نهاية اليوم بلا خوف، وعائلات تخطّط للأعراس قبل أشهر بثقة بسيطة مفادها أن الغد سيأتي كما وُعِد.

 

ولم تكن تلك اللحظات هامشية أو عابرة؛ بل حملت دلالات عميقة للسياسة كما تُعاش في حياة الناس. ففي منطقة ظلت زمنًا طويلًا معلّقة بين عدم اليقين والانقطاع، أصبحت القدرة على استعادة الثقة بالزمن من جديد فعلًا ثوريًا بحدّ ذاته.

وفي عام 2025م، غدا الوضع الطبيعي أمرًا استثنائيًا. والتزم النقل العام بمواعيده، ودبّت الحركة في الأسواق حتى ساعات المساء المتأخرة. وعادت الأحاديث إلى شؤونها العملية والشخصية -أحوال الطقس، ونتائج الامتحانات، وآفاق الأعمال، والاحتياجات الطبية- وهي موضوعات كانت في السابق تُغرقها مشاعر القلق والتخطيط للطوارئ. ولم تعد الحياة تبدو متوقفة أو مؤقتة؛ بل صارت متصلة ومتواصلة. وفي المدن والقرى على السواء، لاحظ الناس كيف اكتسب الصمت معنى جديدًا؛ لم يعد مثقلًا بالخوف، بل أصبح هادئًا ومريحًا.

وتحوّل مفهوم التنمية، الذي طالما نوقش بوصفه فكرة مجرّدة، إلى واقع ملموس في عام 2025م. لم تتجسّد في بيانات كبرى أو وعود رنّانة، بل في حركة الحياة اليومية نفسها. فقد شكّل الربط الحديدي بين دلهي وكشمير تنمية القرن بحق؛ إذ لم يسهّل انتقال الناس من وإلى كشمير غير الساحلية فحسب، بل ردم أيضًا فجوة عاطفية طال أمدها. وكذلك فإن تعزيز شبكة الطرق لم يقتصر على ربط الأماكن، بل ربط البشر بالفرص. 

وأسهم الاتصال الرقمي في تقليص العزلة التي طالما وسمت الحياة الريفية وطموحات الشباب على حدّ سواء. فقد بات بإمكان طالب في قرية نائية متابعة دروسه عبر الإنترنت دون انقطاع، كما أصبح رائد أعمال شاب قادرًا على تسويق الحِرَف الكشميرية لزبائن خارج الوادي، من دون الاعتماد على الوسطاء. فإن التنمية، عندما تكون فعّالة، لا تحتاج إلى تصفيق، بل تندمج ببساطة في روتين الحياة اليومية.

 

كما اقتربت الرعاية الصحية بدورها من الناس. فقد أسهمت المستشفيات المطوَّرة، والوحدات الطبية المتنقلة، وخدمات الطبّ عن بُعد في تقليص الرحلات الشاقّة التي كانت العائلات تضطر إلى خوضها سابقًا من أجل علاج أساسي. وبالنسبة إلى كثيرين، لم يُقَس التقدّم بما ورد في وثائق السياسات، بل بما تحقّق من ارتياح، في الوقت المُوفَّر، والقلق المُخفَّف، والكرامة المصونة. ولم تُزل هذه التغيرات المعاناة، لكنها غيّرت كيفية تعايش الناس معها. 

ولعلّ التحول الأكثر أهمية في عام 2025م قد حدث بهدوء في عقول شباب كشمير. ولسنوات، نشأ الشباب وهم يعيشون في ظل حالة من عدم اليقين، يرثون الصراع دون فهم، والقلق دون اختيار. 

وفي 2025م، بدأ كثيرون يتعلّمون لغة مختلفة، لغة الإمكان. وتحوّلت مراكز تنمية المهارات، والشركات الناشئة، والأكاديميات الرياضية، ومراكز الدعم الأكاديمي إلى فضاءات للتوجيه لا للإحباط. وعادت ملاعب كرة القدم لتصدح بالضحك وروح المنافسة. وامتلأت المكتبات. وبدأ الطموح يحلّ محلّ اليأس، لا بصخب، بل بحسم. وأما المستقبل، الذي كان يومًا مجرّد فكرة بعيدة ومجرّدة، فقد غدا أمرًا يمكن الاستعداد له.

 

كما وجد قطاع السياحة إيقاعًا أكثر توازنًا. عاد لا بوصفه اقتحامًا، بل حوارًا. وجاء الزائرون ليشهدوا جمال الأرض، ولكن أيضًا ليصغوا إليها. وازدهرت بيوت الضيافة، فخلقت سبل عيش تحفظ الكرامة ولا تنتقص منها. واستعاد الأدلاء المحليون دورهم رواةً للتاريخ والثقافة والصمود، لا كفرجة عابرة، بل كحقيقة معاشة. وبدت سياحة 2025 أقل استغلالاً وأكثر مشاركة، وتبادلًا يقوم على الاحترام لا على الاستهلاك. 

ولطالما كان السلام في كشمير هشًا، متأثرًا بقرون من التاريخ وجراح الماضي القريب. وفي عام 2025م، ازدهر السلام ليس من خلال المظاهر الاحتفالية، بل من خلال ضبط النفس الجماعي. وعملت مبادرات المجتمع المدني، والمجموعات النسائية، ومنتديات الشباب، والجمعيات الثقافية بهدوء على إعادة بناء الثقة على مستوى القاعدة الشعبية.

وأما الأمن فكان أقل تدخّلًا، يكاد لا يُرى، ولكنه فعّال. وقد تجلّى نجاحه لا في الحضور، بل في الغياب، غياب الاضطراب، وقدرة الحياة اليومية على أن تمضي دون انقطاع. وخلق الاستقرار رفاهية نادرة: القدرة على التخطيط، وعلى تخيّل مستقبل يتجاوز اللحظة الراهنة.

ولم تنسَ كشمير جراحها في عام 2025م، لكنها فعلت ما هو أصعب من النسيان؛ اختارت ألا تعيش داخلها. وزرع المزارعون البساتين وهم واثقون بأنهم سيجنون الثمار، واستثمر الآباء في تعليم بناتهم إيمانًا بأن الأبواب ستُفتح. وتوسّعت المشاريع الصغيرة، وأبدع الفنانون، وحلم الطلاب. ولم يكن الأمل في كشمير يومًا ساذجًا؛ بل ظلّ حذرًا، مُجرَّبًا، وصبورًا. وفي 2025م، أعاد تأكيد نفسه لا بوصفه وهمًا، بل باعتباره إرادة. 

اقرأ أيضًا: حرية المرأة في العهد النبوي وتراجعها في المجتمع المسلم المعاصر في الهند

قد لا يُسجل التاريخ لحظاتٍ درامية، لكن الكشميريين سيتذكرون هذا العام باعتباره العام الذي شعروا فيه بخفة الحياة، عندما أصبح الصمت يعني السلام لا الخوف، وبدأ البقاء على قيد الحياة يتحول تدريجيًا إلى حياةٍ كريمة. وكما يقال في كشمير، بعد شتاءٍ طويل، ليس التجديد ممكنًا فحسب، بل هو حتمي.

ومثل أزهار اللوز التي تعود كل ربيع، ذكّرت كشمير في عام 2025م نفسها، والعالم بأنها ما زالت تعرف كيف تُزهِر.

قصص مقترحة