صهيب عالم*
زرتُ، في يوم من الأيام، مدرسة الأنجلو العربية الواقعة في العاصمة الهندية دلهي لبعض الأعمال الرسميّة، فدهشت برؤية العمارة القديمة، وجمالها، وطراز بنائها، واستمتعتُ بمشاهدة مبانيها الفخمة المهيبة المتميزة بمنظرها البانورامي، حيث تعكس التاريخَ الماضيَ العظيمَ للحكم الإسلامي في الهند، وصمدت هذه المباني في وجه أعمال التخريب والتدمير، عن مرّ الزمان والعصور لمدة ثلاثة قرون. وشهدت تقلبات الأحداث التي وقعت خلال الاستعمار البريطاني في دلهي، فأصبحت رحلتي هذه رحلة استكشافية لتاريخ مدينة دلهي الثقافي.
ووددتُ أن أتصفح أوراق تاريخ هذه المدرسة، لرصد لمحاتها بالإيجاز، فتعجبتُ أن لها تاريخًا حافلاً بالإنجازات التعليميّة، والتربويّة، والثقافيّة، التي اضطلعت بدور كبير في تربية الأفراد، وتثقيفهم، من خلال ترويج الأفكار النهضويّة والتنويريّة، في الأوساط العلمية والثقافية الهندية. كما دشنت هذه المؤسسة حركة نقل العلوم، والمعارف، والآداب الغربية إلى اللغة الأردية التي كانت آنذاك لغة سائدة في الهند.
وقام المير شهاب الدين المعروف بــ غازي الدين خان (توفي عام 1710م) من الرجال المؤثرين، والنبلاء، والقادة العسكريين في عهد الإمبراطور المغولي أَوْرَنكْزِيبْ في عام 1696م، بإنشاء هذه المؤسسة في عام 1692م، والتي أكملت 330 عامًا في عام 2022م، فاشتهرت هذه المؤسسة باسمه.
ويُعتبر مبناها نموذجًا رائعًا للعمارة المغوليّة التي لم تصب بأي ضرر، وتقع أعين الناظر على فخامة العمارة الحقيقية لهذا المعلم التذكاري. ويضم المبنى باحة واسعة من الشقق مقوسة الشكل، مع وجود بوابة ناحية الشرق، ومسجد ذي ثلاث قباب ناحية الغرب. والمسجد مطوق بجدران حجرية مثقبة من ناحيتي الشمال والجنوب. وتوجد قباب مع أبراج ثمانية الأضلاع في خلفية صالات الاستقبال الرائعة، ونقوش تعطي صورة جمالية للمحيط بأكملها. وفي الداخل، توجد ممرات كانت تُستخدم كعنابر نوم لطلاب المدرسة في الماضي. وفي وسط المجمع، توجد حديقة بها عشب أخضر جميل.وتحكي هذه المعالم الأثرية الإسلامية العريقة تاريخًا عريقًا، ويقف الزائر منبهرًا أمام روعة الفن المعماري المغولي البديع لتلك المعالم، واُستخدم حرم هذه المؤسسة لتصوير الأفلام الهندية المتعددة أيضًا.وتحتضن بتاريخ مجيد، وإرث حضاري إسلامي، وهي من أقدم المؤسسات التعليمية الإسلامية، التي أنشأها المسلمون، وكانت تدرس فيها اللغات العربية، والفارسية، والسنسكريتية، (عبد الوهاب، دهلي كالج: تاريخ اور كارنامه، (نيودلهي: ايجوكيشنل ببليشنك هاؤس، 2012م)، ص 41).
وأُغلِقت هذه المدرسة لبضع سنوات في أوائل السبعينيات من القرن الثامن عشر حينما كان الحكم المغولي في مرحلة السقوط، (مولوي عبد الحق، مرحوم دلي كالج، (أورنغ آباد: مطبع أنجمن ترقي أردو، 1933م)، ص 2-7)، ولكن أُعيد فتحُها بالمبادرة والدعم المالي من أثرياء دلهي، وموسريها، ووجهائها بحماس كبير، ونتيجة لذلك، جاءت الكلية الشرقية للآداب، والعلوم، والفنون، في حيز الوجود، وكانت أكثر حيويّة مما كانت عليه سابقًا، ثم بدأ تدريس الموضوعات المختلفة، مثل: الرياضيات، والجغرافيا، والدراسات القرآنية، والفقه، وعلم الفلك وغيرها (مظهر مهدي، دهلي كالج، انكريزي تعليم وكشاده ذهني كي تشكيل، مجلة إدراك الأردرية، العدد 9، ص 2-4).
وحينما استولى البريطانيون على دلهي، أعادوا هيكلة هذه المؤسسة. وقاموا في حرمها بإنشاء كلية باسم "كلية دلهي الشرقيّة" في عام 1825م التي في وقت لاحق أصبحت مركزًا رائدًا للتعليم العالي في شمال الهند (مالك رام، قديم دلي كالج، (نيودلهي: مكتبه جامعة، 1975م)، ص...). وأجريت بعض التعديلات في لوائحها، ثم أعادت الحكومةُ البريطانية تسميتها "كلية الأنجلو العربية" في عام 1828م لتعليم اللغة الإنجليزية وأدبها، بالإضافة إلى المواد الأخرى، مثل: الرياضيات، والعلوم، جنبًا إلى جنب أقسام اللغات العربية، والفارسية، والسنسكريتية، وأُنشِيء قسم اللغة الإنجليزية بناءً على اقتراح تشارلز تريفليان، في عام 1828م. وكان يتم التدريس فيها باللغة الأم: أي اللغة الأردية (مظهر مهدي، دهلي كالج، انكريزي تعليم وكشاده ذهني كي تشكيل، مجلة إدراك الأدرية، العدد 9، ص 6-9).
وكانت هذه الكلية في قمّة مجدها خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن التاسع عشر، حيث كان يدْرس فيها المسلمون، والهندوس، والمسيحيون، وغيرهم دون أي تمييز ديني وعرقي، وهي كانت رمزًا للتسامح الديني، وملتقى للثقافات. ولم تكن هذه المؤسسة مؤسسة فحسب، بل كانت حركة فعالة للتثاقف، والتلاقح الحضاري، والثقافي. واعترف العلماء والمثقفون والألمعيون الهنود والمستشرقون في كتاباتهم بفضل هذه الكلية التي أصبحت مركزًا نهضويًّا وعلميًّا وأدبيًّا في الهند. وشهدت الثورات والتقلبات السياسيّة، مثل ثورة عام 1857م، ضد البريطانيين التي كانت مركزًا للمقاومة ضدهم، فأغلقها الإنجليز لمدة سبع سنوات. وتعرضت مكتبتها للنهب، أحرقت عدد لا يحصى من المخطوطات، والمطبوعات، وسرقت اللوحات المغولية، والمخطوطات وغيرها.ويخبرنا التاريخ أن العديد من الهنود الذين شاركوا في هذه الثورة تم شنقهم في هذا الحرم. وأُغلقت هذه الكلية مرة أخرى في سبتمبر 1947م، بسبب الاضطرابات الطائفية إثر تقسيم الهند، وتعرضت للهجوم وإضرام النار (مظهر مهدي، دهلي كالج، انكريزي تعليم وكشاده ذهني كي تشكيل، مجلة إدراك الأدرية، العدد 9، ص 11-12).
وانفصلت هذه الكلية، في عام 1975م، إلى مؤسستين؛ إحداهما: "مدرسة الأنجلو العربية"، وثانيتهما: "كلية ذاكر حسين" التي سُميت بهذا الاسم بعد وفاة الدكتور ذاكر حسين رئيس جمهورية الهند في عام 1974م. ثم أضافت الحكومة الهندية اسمها القديم إلى الاسم الجديد في عام 2011م، وأصبحت تعرف الآن باسم "كلية ذاكر حسين دلهي". ويجري التعليم فيها الآن على مستوى البكالوريوس في الآداب، والتجارة، والعلوم وغيرها. وهي الكلية الوحيدة التابعة لجامعة دلهي، التي تقدّم درجة البكالوريوس باللغتين العربية والفارسية.واستوعبت عبر تاريخها الطويل الطلاب والأساتذة من مختلف الطوائف والطبقات الهندية. ولها أثر ملحوظ في ترويج التعليم الحديث، بالإضافة إلى تعليم اللغات العربية والفارسية والأردية، في الهند. وساعدت في تطوير ثقافة التفاهم، واحترام الاختلاف في الطوائف، والمعتقدات، والديانات، تدريجيًّا.وتبوأت مكانة ممتازة في الأوساط الثقافية والتعليمية في الهند (الموقع الرسمي للكلية، تاريخ التصفح: 23 فبراير 2023م).
وارتبط بهذه المؤسسة نخبة مختارة من العلماء العظام من المسلمين وغيرهم، الذين أسهموا في تربية الأجيال، وتعليمها، وتثقيفها، وترجمة الكتب العربية، والفارسية، والإنجليزية، والألمانية، إلى اللغة الأردية، وتحقيق المخطوطات العربية والفارسية، التي نالت صيتًا واسعًا في الهند وخارجها، وألّفوا فيها مؤلفات متعددة، وكتبا مدرسيّة متنوعة، وترجموا الأعمال الأدبية إلى اللغة الأردية وغيرها. وأذكر هنا بعض أسماء العلماء مثل: المولانا مملوك علي النَّانَوْتَوِيْ، والمولانا ذو الفقار علي الدِّيْوبَنْدِيْ، والمولوي كريم الدين البَانِيْ بَتِّيْ وغيرهم. وتخرج فيها نخبة من العلماء، والساسة، والمثقفين، والباحثين، وصناع القرارات، الذين اضطلعوا بدور كبير، في تنمية الهند وازدهارها إداريًّا، وسياسيًّا، وثقافيًّا، وتعليميًا في الهند وخارجها، وتركوا بصماتها العميقة في جميع مناحي الحياة، ومنها: المولانا قاسم النانوتوي مؤسس دار العلوم بديوبند، والمولانا ألطاف حسين حالي، ولياقت علي خان أول رئيس وزراء باكستان، والكاتب المسرحي الشهير بيشما ساهاني، والمعلم رام تشندر، والمولوي ذكاء الله، والمولانا أشرف علي التهانوي، وراي صاحب كيدار ناث مؤسس كلية رامجاس، والعقيد بشير حسين زيدي، ونذير أحمد من رواد الروائيين باللغة الأردية، ومحمد حسين آزاد، والمولوي كريم الدين، وعلي سردار جعفري، وأختر الإيمان، وجان نثار أختر وغيرهم.
ويُعتبر نذير أحمد الدهلوي رائدًا في العديد من المجالات العلمية، فهو من الرواد الروائيين، والأدباء البارزين، باللغة الأردية، أبدع أدبًا نسائيًا، وقدّم في أعماله الأدبية بيانًا نسويًا. وكان مترجمًا قديرًا، وترجم "قانون العقوبات الهندي" إلى الأردية باسم "تعزيرات الهند" لأول مرة. ولاقى هذا الكتاب استحسانًا كبيرًا من قبل الإدارة البريطانية والقضاء. وألّف نذير أحمد عدة الروايات الإصلاحيّة التي ركّز فيها على تعليم البنات، وتدريبهن في الشؤون المنزلية بشكل خاص. ومن أشهر رواياته: "مرآة العروس"، و"بنات النعش"، و"توبة النصوح"، و"فسانه مبتلا"، و"ابن الوقت"، والرؤية الصادقة" وغيرها. فرواية "مرآة العروس" هي أشهر رواياته التي منحته الحكومة جائزة قدرها ألف روبية على تأليفها. وأرست مرآة العروس وتوبة النصوح أساسًا للأعمال الإبداعية الأدبيّة مثل الروايات، والقصص القصيرة، باللغة الأردية. وتناول نذير أحمد الدهلوي في رواياته المشكلات الاجتماعية المتعددة مثل: الأمية، والفقر، والجوع، والاستغلال، وكرامة النساء، وتعليم البنات، وغيرها لأجل خلق التوعية، والإحساس، بين الناس بشأن هذه المشكلات لاستئصالها من جذورها من المجتمع البشري (أويس أحمد أديب، اردو كا بهلا ناول نكار: شمس العلماء مولوي نذير أحمد دهلوي ، (الله اباد: هندوستاني اكيدمي، 1934م)، ص 20-22).
وكان المولوي ذكاء الله مدرسًا في كلية دلهي، وكان شخصًا تنويريًا وعقلانيًا، ومترجمًا قديرًا، وباحثًا فذًا، ومؤيدًا للتعليم الغربي مع التعليم الهندي، وقضى حياته في ترجمة الكتب وتأليفها. وله إسهام ثري في ترويج التعليم الحديث في شمال الهند (S. Irfan Habib, "Munshi Zakaullah and the Vernacularisation of Science in Nineteenth Century India" in Uncharted Terrain:Essays on Science Popularisation in Pre- Independence India, Narendra K. Sehgal, Satpal Sangwan and Subodh Mahanti, (eds I New Delhi: Vigyan Prasar, 2000, pp. 140-41).
جمعية الترجمة الوطنية لتعزيز المعرفة
أُنشئت جمعية الترجمة لتعزيز المعرفة في المجتمع الهندي من خلال اللغة الأم تحت إشراف عميد الكلية السيد فلكس بوتروس في عام 1843م (مولوي عبد الحق، مرحوم دلي كالج، (أورنغ آباد: مطبع أنجمن ترقي أردو، 1933م)، ص 2-7، ص 137)، وترجمت الأدبيات المتعددة من اللغات الإنجليزية، والألمانية، والفرنسية، والعربية، والفارسية إلى اللغة الأردية، كما ترجمت بعضها إلى اللغتين الهندية والبنغالية (عبد الملك الرسولفوري، اسهامات كلية دلهي في تطوير حركة الترجمة والتحقيق في عصر الاستعمار البريطاني، في مجلة الدراسات الإسلامية، المجلد 56، العدد 3، 2021، ص 54-64). وفي غضون عقدين من الزمن، ترجمت الأعمال عن الموضوعات المتنوعة مثل الرياضيات، والعلوم، والفلسفة، والتاريخ، وعلم الجراحة، والجغرافيا، والاقتصاد، والسياسة، والقانون المدني، ومبادئ التشريع، والآداب، وغيرها (مظهر مهدي، دهلي كالج، انكريزي تعليم وكشاده ذهني كي تشكيل، مجلة إدراك الأدرية، العدد 9، ص 14).
وذكر المولوي عبد الحق في كتابه "مَرحوم دلي كالج" أسماء بعض الكتب المنشورة ما لا يقل عن 120 كتابًا عالي القيمة تحت إشراف هذه الجمعية، مثل: أصول القانون، والجبرا، وأصول علم الهيئة، وتاريخ الإسلام، وتاريخ اليونان، وتاريخ روما، ومختارة من ألف ليلة وليلة، وسراجية السلامي، والرامايانا، والمهابهاراتا، وتاريخ الاكتشاف البري والبحري، وخرائط الجغرافية القديمة، والفلسفة الدينية، وحدائق البلاغة، وشَكُنْتَلَا، وجامع الحكايات، ورسالة الطب، ورسالة الجراحة، وعلم المناظر، وهداية المبتدئي وغيرها. واشتهرت هذه الجمعية على مستوى الهند كمركز نهضوي ثقافي في الهند، ومنتدى التلاقح الحضاري والثقافي، من خلال تدشين برنامج الترجمات المكثف من اللغات المختلفة، إلى اللغة الأردية، وتحقيق التراث باللغتين الفارسية والعربية في دلهي (مولوي عبد الحق، مرحوم دلي كالج، (أورنغ آباد: مطبع أنجمن ترقي أردو، 1933م)، ص 122-137). وأُسست هيئة نشر العلوم عن طريق الألسنة في عام 1843م، تحت إشراف هذه الجمعية. كما أُنشئت مطبعتها الخاصة المعروفة باسم "مطبع العلوم" في عام 1845م برئاسة عميد الكلية اشبرينغر لنشر الأعمال المترجمة، والمقررات الدراسية وتوزيعها في أنحاء الهند، وأسس أول مجلة أسبوعية إخبارية باسم "قران السعدين" (مولوي عبد الحق، مرحوم دلي كالج، (أورنغ آباد: مطبع أنجمن ترقي أردو، 1933م)، ص 122).
ترجمة الكتب العربيّة إلى الأردية
اهتمت هذه الجمعية بترجمة بعض الأعمال العربية إلى الأردية وشرحها، وقامت بتربية الأفراد في ترجمة الأعمال الأدبية الذين قاموا -فيما بعد- بترجمة الدواوين الشعرية العربية، وشرحها، والكتب التاريخية ومنها: تحرير إقليديس بـ"الأصول" أو "العناصر"، و"التاريخ اليميني" لأبي نصر محمد بن عبد الجبار العتيبي، و"الجامع الصحيح لسنن الترمذي" بيد المولانا مملوك العلي، وتذكرة المفسرين/ طبقات المفسرين للشيخ السيوطي بـاسم أحوال المفسرين، وتذكرة الفقهاء للقاضي ابن خلكان، وترجمة تاريخ الحكماء بيد الشيخ سبحان بخش الشكاربوري، والرسالة الشمسيّة في القواعد المنطقية لنجم الدين القزويني، والسراجي في الميراث بيد سيد محمد الدهلوي، وكتاب فرائد الدهر باسم "شعراء عرب" بيد كريم الدين الباني بتي الذي يتضمن تراجم شعراء اللغة العربية لثلاثة عشر قرنًا منذ العهد الإسلامي إلى عهد صاحبه، علمًا بأنه ألّف هذا الكتاب "فرائد الدهر" باللغة العربية أولاً وترجمه على طلب السيد اشبرينغر، وترجمة تاريخ أبي الفداء باسم "كتاب المختصر في أخبار البشر" بيد السيد كريم الدين الباني بتي، والسيد محمد أمير، وكتاب التشخيص، ومعالج الأمراض، من العربية إلى الأردية بيد كريم الدين، وحكايات ألف ليلة وليلة بيد السيد سديد الدين خان الدهلوي، والشيخ جعفر علي الجَارْجُوِيْ، والمولوي حسن علي خان، كما تُرجم المختصر للقدوري، وكليلة ودمنة، وفوائد الأفكار إلى اللغة الأردية تحت إشراف هذه الجمعية (عبد الملك الرسولفوري، اسهامات كلية دلهي في تطوير حركة الترجمة والتحقيق في عصر الاستعمار البريطاني، في مجلة الدراسات الإسلامية، المجلد 56، العدد 3، 2021، ص 54-64).
وعمل المستشرق الشهير الألماني اشبرينغر في هذه الكلية بصفته عميدًا (محمد أكرم جغتاي، قديم دهلي كالج، (لاهور: دي تروث سوسائتي، 2012م)، ص9). وقام، خلال قيامه في الهند، بزيارة البلدان الإسلامية، مثل: العراق، وسوريا، ولبنان، والمملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، وتركيا، وغيرها (محمد أكرم جغتاي، قديم دهلي كالج، (لاهور: دي تروث سوسائتي، 2012م)، ص 10). وكان هدف هذه الزيارة التعرف على الأوضاع السياسية والثقافية، والبحث عن المخطوطات العربية، وجمعها، ودوّن اشبرينغر مشاهداته وتجاربه في شكل المذكرة. وخلال قيامه في الهند، قام بإعداد فهرسة المخطوطات العربية، والفارسية، والأردية، الموجودة في مكتبات أَوَدّهْـ الملكية في عام 1848م. ونُشرت هذه الفهرسة في عام 1854م من كولكاتا (محمد أكرم جغتاي، قديم دهلي كالج، (لاهور: دي تروث سوسائتي، 2012م)، ص 12). وشارك في أنشطة الترجمة بكل شوق ورغبة، وتحمل مسؤولية مشروع الترجمة لصالح الجمعية، وانتخب نخبة من الباحثين، وحثّهم على القيام بالترجمة، بمن فيهم: السير سيد أحمد خان الذي ترجم رسالة الرياضيّات التي ألّفها جدّه من الأم الخواجه فريد الدين من الفارسية إلى الأردية. وكانت هذه الجمعيّة قامت بإعداد الأفراد الذين أصبحوا تنويريين وألمعيين فيما بعد (محمد أكرم جغتاي، قديم دهلي كالج، (لاهور: دي تروث سوسائتي، 2012م)، ص 15-16).
وختامًا، كانت هذه المؤسسة مفعمة بالأنشطة العلمية والثقافية والأدبية، وكانت إصداراتها علمية ومحكمة ذات الجودة العالية ورفيعة المستوى، وتناولت الموضوعات المتنوعة. وحددت هذه المؤسسة الملامح العلميّة والفكريّة للتأليف، والترجمة، والبحث، والتحقيق، وغيرها. واعتبرت هذه المؤسسة رمزًا للتغير الثقافي، والحضاري، واللغوي، والأدبي، وبدأت فيها حركات ومدارس فكريّة، وأشهرها: مدرسة دلهي للغة الأردية (دبستان دلهي) التي حددت ملامح اللغة الأردية في الهند، وارتقت هذه اللغة على المنوال الذي حددته هذه المدرسة. والجدير بالإشارة إلى أن أول رواية باللغة الأردية ألّفها فيها نذير أحمد الدهلوي. وهي كانت منارة فكريّة، ونهضويّة، وتنويريّة، في الهند. وأثرت بيئة كلية دلهي العلمية في عقول الطلاب وأذهانهم، أثرًا عميقًا، الذين قاموا بدور مهم في تكوين الأذهان وخلق السعة. وكان التنوّع، والتعدّد، وتعزيز الفكر التنويري والثقافي، والانفتاح، والتحضير على الإبداع والابتكار، ونشر المعرفة، وتعزيز الحراك الثقافي، والمعرفي، من أهدافها النبيلة، وهو فصل مشرق، ورمز من الرموز الثقافية، في تاريخنا الإسلامي الهندي الذي ورثناه من الأسلاف.
*أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية، الجامعة الملية الإسلامية، نيودلهي.