يوسف أبو لوز*
ثروة وثائقية جديدة يضيفها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، إلى مكتبة التاريخ التي غذّاها سموّه قبل ذلك بعشرات العناوين القائمة على البحث والتقصّي والفحص العلمي للمصادر التي خضعت لمختبره التقييمي والنقدي بصبر الباحث، وهدوء العالم الباحث دائمًا عن الحق والحقيقة والمعرفة.
إنه هنا عنوان كبير تطلب الوقت والجهد والسهر والقراءة الدقيقة للمادة التي سوف ينمو بعدها مؤلفه الجامع "البرتغاليون في المحيط الهندي - أحداث في حوليات من 1497 إلى 1750م" في 61 مجلدًا باللغة العربية ومثلها باللغة الإنجليزية.
أمضى صاحب السمو حاكم الشارقة 37 عامًا من البحث والدراسة والقراءة والمقارنة لكي يضع أمامنا معرفة تاريخية مُصَفّاة من أية شوائب ثقافية أو استفهامات جدلية، بل هي حقيقة التاريخ، ومساراته، وأحداثه، ووقائعه.
ولكي أكون دقيقًا وأمينًا في الكتابة عن هذه المجلدات الموسوعية، فإنني سأنقل إلى القارئ الكريم المعلومات التي وردت في التعريف العلمي بهذا الكتاب الشامل، أولاً: "المصادر التاريخية: وثائق ومراسلات وسجلات أصلية من مراكز الأرشيف العالمية، ولا سيّما مراكز الأرشيف البرتغالية". ثانيًا: النطاق الجغرافي، "المحيط الهندي وسواحل شرق إفريقيا، والهند وشرق آسيا". ثالثًا: المحتوى، "حوليات تاريخية توثق الأحداث السياسية والعسكرية والتجارية المرتبطة بالوجود البرتغالي".
أي أن التاريخ في هذا المؤلف الكبير يتصل بالجغرافيا، ويتصل بالسياسة والاقتصاد، ولك أن تتخيل حجم الوثائق، وتسلسلها الزمني الذي تطلب من سموّه أقصى درجات الدقة والانتباه لكل معلومة، ولكل رسالة وسجل.
جهد مؤسسة أو جهد مؤسّسي يتمثل في عمل رجل بدأ به منذ شبابه، وبالتدريج، ومن دون تسرّع أو انحياز، وهي دائمًا صفات الباحث النزيه، الموضوعي والاستنتاجي، والمستند دائمًا إلى الخلاصات البحثية الصافية المعتمدة على الأمانة الثقافية والتاريخية، لكي نقرأ نحن، ويقرأ المؤرخون، والجغرافيون، والسياسيون، والاقتصاديون، بكل طمأنينة، المجلدات التي بين أيديهم باللغتين العربية والإنجليزية.
تلك هي مدرسة سلطان في فحصه الوثائقي للتاريخ، وتلك هي منهجيته العلمية المنظمة، ومرة ثانية، بصبر وهدوء، وتدرّج، ودقة متناهية في القراءة، والجمع، والتدبير المعرفي الأمين.
التاريخ سؤال سلطان وجوابه، والتاريخ هاجس وحدس رجل لا يثق بالعموميات، والإنشائيات والانحيازيات التي معًا شوّهت الكثير من السرديات التاريخية بشكل خاص، إمّا لمصلحة، وإمّا تبعًا لإيديولوجيا، وإمّا انتصارًا لفكر أو مذهب أو طائفة.
سلطان الباحث والمفكر والمنهجي فوق كل هذه الاعتبارات البالغة السلبية، رجل نزيه بفكر بحثي مستقل، ومنهج وثائقي، وشجاعة في الرأي، لذلك، يُقرأ سموه في العالم كلّه باحترام، وطمأنينة بوصفه بوصلة ثقافية تتجه دائمًا إلى زمان ومكان الحقيقة.
*صحفي إماراتي.