طالب الرفاعي
يقول الجاحظ (776–868): "القراءة هي عقل غيرك تضيفه إلى عقلك". وقفتُ أمام هذه العبارة باكرًا، حين شرح لنا أستاذ اللغة العربية معناها، وربما كانت السبب المباشر في عشقي للقراءة، لكن ما رسّخ هذا العشق فعلاً كان أول رواية طويلة قرأتها: "الأم" لمكسيم غوركي، حينها اكتشفتُ أن القراءة تأخذ صاحبها إلى عوالم لا سبيل له إليها بغيرها، من تلك اللحظة، بدأتُ أشتري الكتب، وصار اقتناء كتابٍ جديد فرحًا يهزّ قلبي.
مرّت السنون سريعًا، وكأنه الأمس حين ثبّتُّ أول رفٍّ خشبي على الحائط، وبقيتُ أيامًا أتأمل كتيباتي القليلة فوقه معجبًا بها كأنها ثروة. اليوم تغيّر كل شيء، تغيّرت معادلة العلاقة بين الكتاب وصاحبه، حتى صار مصير مكتبتي، وهي أهم ما ادّخرته في حياتي، معلّقًا في الهواء، بلا وجهة ولا ضمان.
وقفتُ حزينًا أمام هذا الواقع، حين اتصل بي صديق يخبرني بأن مكتبة أحد أهم الأدباء العرب وأكثرهم شهرة في القرن العشرين معروضة للبيع، وأن ورثته يبحثون عن مبلغ من المال يعينهم على قسوة العيش. قال لي إن أحد أبناء الأديب صرّح بما معناه: "الكتب كانت لأبي، يستخدمها كما يشاء، والآن أصبحت ملكنا، ولنا أن نتصرّف بها كما نشاء".
هذا الموقف دفعني للتفكير في مصير مكتبتي، أعلم أن ابنتيّ ستتعلقان ببعض الكتب، وستتقاسمان جزءًا منها، لكن ماذا عن المكتبة كاملة، وهي تضمّ ما يقارب مئة ألف كتاب؟ خاصة أني عملتُ في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وشاهدتُ بعيني مصير المكتبات التي تُمنح له، تُنقل إلى زاوية في المكتبة الوطنية، وتُعلَّق عليها يافطة صغيرة تقول: "مكتبة الأديب الراحل..."، وينتهي الأمر عند هذا الحدّ، لا يقترب أحدٌ منها، ولا يُقيم سوى الغبار علاقة معها، وقد يمرّ عليها باحثٌ نادر بين سنة وأخرى، ليتفحّص كتابًا واحدًا من بين آلاف.
أين سيكون مصير مكتبتي، ومصير عشرات المكتبات، التي يملكها أصدقاء، وتحوي مئات آلاف الكتب؟
الإجابة المباشرة، وربما الصادمة، هي: الضياع. فمكتبة قد تنتقل إلى زاوية جديدة لتصبح قبراً لها، ومكتبة أخرى قد تُباع لتاجر كتب يسترخص قيمتها، وثالثة قد تُرمى على رصيف. وهذا ليس تشاؤمًا، بل هو واقع حال جيل من الأطفال والناشئة، تربّى ويتربّى دون علاقة حقيقية بالكتاب أو بالقراءة، وإن وُجدت علاقة، فهي عبر شاشة آيباد أو هاتف نقال.
في الأيام الماضية، وأنا أفكّر في كتابة هذا المقال، سألتُ أكثر من شاب وشابة إن كانوا يهوون جمع الكتب، أو أن تكون لهم مكتبة خاصة، كانت نظراتهم كافية للإجابة. لكن إحداهنّ، وهي ابنة مفكّر وأديب، قالت لي: "عمّي طالب، أجمع كتباً وأصنع مكتبة، وفي هاتفي مكتبة الكونغرس؟".
وحين بقيتُ صامتًا أنظر إليها، أضافت: "لا تنزعج! هذا هو الواقع. نحن جيل يقرأ دون أن يُثقل نفسه بحمل الكتاب والبحث عن مكانٍ خاص له".
أكبرتُ فيها صدقها، وتيقّنتُ أن علاقة الأجيال الشابة بالكتاب تختلف تمامًا عما كان يعنيه لنا.
كنا نعشق الكتاب طريقًا للفكر ووسيلة للمتعة، بينما يعشق أبناء اليوم كتبًا بعينها، يقرؤون منها ما يهمّهم فقط، وكل ذلك عبر شاشة كمبيوتر أو آيباد أو هاتف، دون أن تلامس أيديهم الورق، ودون أن تخطّ أقلامهم ملاحظة على الهامش، ودون أن تتعلّق قلوبهم بجملة تبقى حاضرة في وعيهم.
معذرة أيها الجاحظ، الذي سقطت عليه رفوف كتبه العالية فدفنته تحتها، تغيّر العالم تماماً، لكن جملتك ما زالت تحمل صحّتها، وستبقى كذلك، حتى بعد أن تصبح المكتبات كلّها في جيوبنا، وتغيب عن جدراننا.