رؤية غاندي التعليمية، والأردية، وسياسة التعليم الجديدة

03-10-2026   آخر تحديث    |  03-10-2026 نشر في  |  بواسطة    آواز دي وايس  |  مظهر آصف  
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

 


مظهر آصف*

لم يُنظر إلى مفهوم التعليم في الهند يومًا على أنه منفصل عن الحياة؛ فقد ظل العلم مرتبطًا بالأخلاق والعمل والمجتمع والبحث الداخلي للإنسان عن ذاته. غير أن مسافةً أخذت تتشكل مع مرور الوقت بين الكتاب والحياة. وقد أدرك المهاتما غاندي هذه الفجوة، فرأى الحاجة إلى تعليم يربط الإنسان بالعمل اليدوي، والمجتمع، والتجارب الحقيقية. وفي تصوره للتعليم، كان العمل والإحساس مترابطين ارتباطًا وثيقًا.

ولفترة طويلة، أصبح معيار التعليم عندنا هو الامتحان، ومعيار الامتحان هو الحفظ، ومعيار الحفظ هو الدرجات، بحيث تراجعت القدرات الإبداعية للطفل والتجربة العملية إلى الخلفية. ويشير التركيز الذي توليه السياسة الوطنية للتعليم 2020 للتعلم القائم على التجربة والاستكشاف، والأنشطة العملية، والتدريب العملي، والتعليم المهني، إلى هذا التوجه التعليمي الذي لا يكون فيه الطالب مجرد مستهلك للمعرفة، بل شريكًا أيضًا في إنتاجها وتشكيلها.

الجامعة المليّة الإسلامية وغاندي

لا يمكن اختزال تعريف الجامعة المليّة الإسلامية في عدد قليل من المباني والسنوات والأسماء، لأن ذلك لا يكشف عن روحها الحقيقية. فقد تأسست الجامعة عام 1920 في وقت كانت فيه اليقظة السياسية في الهند، والسعي إلى الاستقلال الوطني، والاستقلال التعليمي، قضايا مترابطة ومتصلة بعضها ببعض. وارتبط بتأسيسها عدد من الشخصيات البارزة، من أمثال شيخ الهند مولانا محمود حسن، والحكيم أجمل خان، ومولانا محمد علي جوهر، والدكتور مختار أحمد أنصاري، وعبد المجيد خواجة. وكان غاندي أيضًا من بين الشخصيات التي رافقت الجامعة في بدايات مسيرتها، ودعمت رؤيتها الوطنية والتعليمية.

وعندما انتقلت الجامعة إلى دلهي، واجهت صعوبات مالية وإدارية جعلت مسيرتها أكثر تعقيدًا. وفي ذلك الوقت، دعم غاندي عزمَ الجامعة على الاعتماد على الذات واستمرار مسيرتها التعليمية. ولم تكن هذه العلاقة مجرد علاقة بين زعيم وطني ومؤسسة تعليمية، بل كانت تستند إلى إيمان مشترك بأن التعليم، إذا امتلك الشجاعة للتفاعل مع قضايا عصره والتجاوب معها، يمكن أن يؤدي دورًا عميقًا في بناء الأمة.

غاندي والعلاقة بين العلم والعمل

لم يكن العمل بالنسبة إلى غاندي مجرد نشاط بدني، بل كان قيمة أخلاقية. ولم يكن يؤمن بوجود تراتبية بين العمل الذهني والعمل اليدوي تجعل أحدهما أرقى والآخر أدنى. وكان يرى أن العمل باليد يقرّب الإنسان أكثر من الحياة. وأما التقسيم الذي نشأ في مجتمعنا بين العلم والعمل، فلا ينسجم مع تصور غاندي للتعليم. فالمزارع، والحرفي، والمهندس، والمعلم، والباحث، جميعهم، كلٌّ بطريقته، يسلكون طريق المعرفة.

وتُعد محاولة ربط التعليم المهني بالمسار التعليمي الرئيس في السياسة الوطنية للتعليم 2020 صورةً حديثة لهذا التصور. فالأمر لا يتعلق بالتوظيف وكسب الرزق فحسب، بل يرتبط باحترام العمل وبناء مفهوم أكثر توازنًا للتعليم. ولعل مستقبل الهند سيكون أكثر توازنًا عندما يدخل الذكاء الاصطناعي والحِرَف اليدوية، والمختبر وورشة العمل، والعلوم الحديثة والخبرات التقليدية، في حوار متبادل فيما بينها.

رؤية غاندي اللغوية واللغة الأردية

كانت رؤية غاندي في مجال اللغة مهمة أيضًا. فاللغة التي يتعرف الطفل من خلالها على العالم للمرة الأولى تختزن ذكريات أسرته وعلاقاته وتجربته الأولى في الحياة. وإذا أقام التعليم صلةً بهذه اللغة نفسها، أصبحت المعرفة أكثر ألفةً للطفل. وكان غاندي من أنصار لغة هندية يمكن أن تكون وسيلة للتواصل بين عامة الناس، وأن تكون مقبولة بالخطين الديفاناغاري والفارسي على حد سواء. ولم تكن اللغة في نظره مجرد مسألة تتعلق بالكلمات والخط، بل كانت أيضًا وسيلة للتواصل بين مختلف التقاليد الحضارية والثقافية.

وفي هذا السياق تبرز قضية اللغة الأردية. فالأردية ليست نتاج مدينة واحدة أو حضارة واحدة، بل تشكلت من خلال تفاعل اللغات الهندية، والتراث العلمي والأدبي الفارسي والعربي، والتجارب الحضارية المتراكمة عبر قرون. ولذلك، تمثّل الأردية أيضًا إحدى العلامات المهمة على الحياة الحضارية المشتركة في الهند.

الأردية: تعبير عن الثقافة المشتركة

تزخر تاريخ اللغة الأردية بشواهد كثيرة على امتزاج مختلف التقاليد الثقافية في الهند. فكلماتها وتعبيراتها وأدبها تختزن في داخلها أصوات مجتمعات وتقاليد متعددة. وكان إشراك الإنسان العادي يحتل مكانة أساسية في فكر غاندي، كما أدّت التقاليد الشعبية والثقافية للغة الأردية دورًا مهمًا في إيصال القضايا السياسية والاجتماعية والفكرية إلى عامة الناس. ومن ثم، فإن قضية الأردية لا تتعلق فقط بالحفاظ على لغة، بل تتعلق أيضًا بربط المعرفة بالحياة والمجتمع والإنسان العادي.

سياسة التعليم الجديدة واللغة الأم

ينص إطار السياسة الوطنية للتعليم على إيلاء أهمية أكبر للغات الأم، ولغات المنزل، واللغات المحلية والإقليمية في مجال التعليم. ويرتبط هذا التصور بسؤال أساسي، وهو: بأي لغة يلتقي الطفل بالمعرفة للمرة الأولى؟ إنها اللغة التي يتعرف من خلالها على أسرته وبيئته ومحيطه. فإذا تلقى الطفل تعليمه الأولي بلغة مألوفة له، فقد تصبح المعرفة أكثر قربًا ويسرًا بالنسبة إليه. وهذا التصور يقترب من الرؤية التعليمية لغاندي، التي شددت على ربط التعليم بحياة الطفل وبيئته ولغته.

غير أن حب اللغة الأم يجب ألا يغلق أبواب اللغات الأخرى. فمن الضروري للطالب الهندي أن تتاح له إمكانية الوصول إلى لغات المعرفة الأخرى، بما فيها الأردية والهندية والفارسية والعربية والإنجليزية. "لتكن جذورك راسخة في لغتك، ولتمتد فروعك إلى اللغات الأخرى". ولعل هذا هو التوازن الذي تكمن فيه حقيقة الثراء المعرفي للهند متعددة اللغات.

الهند متعددة اللغات والأردية

إن وجود لغة في الهند لا يعني نفي اللغات الأخرى. فاللغات هنا عاشت متجاورة، كما تداخل بعضها في بعض. ويمكن أن يفكّر الإنسان بأكثر من لغة، وأن يفهم ثقافات متعددة، وأن يتنقل بين تقاليد معرفية مختلفة. وهذا التنوع لا يمثّل مشكلة ما لم نحوّله نحن إلى مشكلة.

وتحتل اللغة الأردية مكانةً خاصة في هذه التجربة الهندية متعددة اللغات. فمن خلالها لا يتعلم الطالب الكلمات فحسب، بل يدخل إلى عالم أدبي وثقافي واسع. فعالَم مير الداخلي، والتعقيد الفكري لدى غالب، والبصيرة الاجتماعية لدى بريم تشاند، والحس الإنساني لدى فراق، تكشف جميعها من خلال الأردية عن وجوه متعددة للمجتمع الهندي.

كما ارتبط التاريخ اللغوي للجامعة الملية الإسلامية بهذه التجربة متعددة اللغات. فقد كان تفاعلها مع مختلف التقاليد المعرفية، بما فيها الأردية والهندية والفارسية والعربية والإنجليزية، جزءًا من طابعها التاريخي منذ نشأتها. ولذلك، فإن قضية اللغة في سياق سياسة التعليم الجديدة ليست أمرًا غريبًا على الجامعة، بل تمثّل فرصة لربط إرثها التاريخي بمتطلبات العصر الجديد.

غاندي والتصور الوطني للتعليم

لم تكن مصطلحات مثل السياسة الوطنية للتعليم 2020، أو الذكاء الاصطناعي، أو الجامعة الرقمية موجودة في زمن غاندي، ولذلك ليس من الصواب وضع العصرين على مقياس واحد. غير أن تغير الأزمنة لا يغيّر الأسئلة الأساسية المتعلقة بالتعليم. فقد كان غاندي يتساءل: ماذا يصنع التعليم من الإنسان؟ ولا يزال هذا السؤال مطروحًا أمامنا اليوم.

وكان بناء الإنسان المتكامل يحتل مكانة أساسية في تصور غاندي للتعليم. واليوم، أصبحت المعلومات أكثر وفرة من أي وقت مضى، وأصبحت الآلات أسرع منا في إجراء الحسابات، كما بات الذكاء الاصطناعي قادرًا على تنظيم المعلومات خلال لحظات، لكن الحاجة إلى البصيرة الأخلاقية والتعاطف الإنساني لا تزال قائمة.

وسيتعين على تعليم المستقبل أن يُعدّ شبابًا لا يمتلكون المعلومات والمهارات فحسب، بل يتمتعون أيضًا بالقدرة على طرح الأسئلة، والشعور بالمسؤولية، واحترام حقوق الآخرين. ويشير التركيز الذي توليه السياسة الوطنية للتعليم 2020 للتنمية الجسدية والعاطفية والاجتماعية والأخلاقية والإبداعية إلى هذا التصور الشامل.

كما أن الجهود الرامية إلى تقليص الفجوات بين المعرفة والفنون والعلوم الإنسانية واللغات والتعليم المهني ترتبط أيضًا بتكوين هذا الإنسان المتكامل. ولعل عبارة غاندي عن "الرأس واليد والقلب" قد تحولت اليوم إلى لغة العلم والمهارات والقيم. ولقد تغيرت الكلمات، لكن السؤال لا يزال هو نفسه.

الأردية والتكنولوجيا الحديثة

ليس السؤال الأكبر الذي تواجهه اللغة الأردية هو كيفية الحفاظ عليها فحسب، بل كيف يمكن إبقاؤها حية وفاعلة في العصر المقبل أيضًا. فقد أتاحت التكنولوجيا الرقمية إمكانات جديدة، مثل الكتب الإلكترونية، والقواميس الرقمية، والتعليم عبر الإنترنت، والكتب الصوتية، والترجمة الآلية، والذكاء الاصطناعي، لكن مجرد توافر التكنولوجيا لا يكفي.

ولا بد أيضًا من إعداد محتوى علمي ومعرفي رصين باللغة الأردية في مجالات العلوم والتكنولوجيا، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والاقتصاد، والتعليم المهني. فإذا بقيت المخطوطات القديمة، والكتب النادرة، والذخائر العلمية حبيسة الخزائن، فقد تتحول إلى مجرد شواهد صامتة على الماضي؛ وأما إذا نُقلت إلى صيغة رقمية ووصلت إلى الجيل الجديد، فإنها تستطيع أن تربط الماضي بالمستقبل.

ولهذا، أصبح من الضروري في عصر الذكاء الاصطناعي إعداد مدونات رقمية واسعة للغة الأردية، وقواميس جيدة، وبيانات لغوية متطورة. فاللغات تضعف عندما تتوقف الحياة عن طرح أسئلة جديدة فيها، وتستعيد حيويتها عندما تمنح أسئلة العصر الجديد كلماتها الخاصة.

الأردية والمهارات وفرص العمل

إذا كانت اللغة مرتبطة بالحياة، فينبغي أن تكون لها صلة أيضًا بفرص العمل. ولا يكفي الحفاظ على اللغة الأردية باعتبارها مجرد إرث أدبي من الماضي، بل لا بد من فتح مجالات جديدة أمام طلابها في الترجمة، والصحافة، والتدريس، وكتابة المحتوى، والنشر، والإعلام، والاتصال الرقمي، والدراسات الثقافية، ومجالات اللغة والتكنولوجيا الحديثة.

وكان الاعتماد على الذات بالنسبة إلى غاندي لا يمثل مجرد مصطلح اقتصادي، بل كان مفهومًا يقوم على الثقة بقدرات الإنسان. فإذا اكتسب طالب اللغة الأوردية، إلى جانب إتقانه للغة، مهارات في التكنولوجيا الحديثة، والترجمة، والاتصال، والمهارات المهنية، فإن الأوردية لن تكون بالنسبة إليه مجرد بوابة إلى الماضي، بل يمكن أن تصبح أيضًا طريقًا إلى المستقبل.

وتكتسب الترجمة أهمية خاصة في هذا السياق. فما تمتلكه لغة من معارف وخبرات في الهند ليس بالضرورة معروفًا لدى لغة أخرى. والترجمة هي الجسر الذي يربط بين اللغات والتقاليد المعرفية المختلفة، بحيث تستطيع اللغات من خلالها أن تتبادل المعارف والخبرات، فتأخذ إحداها من الأخرى وتقدم لها في المقابل.

الطرق العملية لترويج اللغة الأردية

يحتاج طلاب اللغة الأردية في المراحل التعليمية الأولى إلى مواد تعليمية عالية الجودة، ومعلمين مؤهلين ومدرَّبين تدريبًا حديثًا، وموارد رقمية متطورة. وينبغي إعداد محتوى باللغة الأوردية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والعلوم الاجتماعية والتعليم المهني، وتوسيع مشروعات الترجمة بين الأوردية وغيرها من اللغات الهندية.

كما ينبغي ربط طلاب الأوردية بالمجالات الجديدة في الإعلام، والترجمة، وكتابة المحتوى، والنشر، والاتصال الرقمي، واللغة والتكنولوجيا. وينبغي حفظ المخطوطات القديمة والذخائر الأدبية في صورة رقمية، وإعداد مدونات رقمية واسعة، وقواميس، وبيانات لغوية معيارية.

كما ينبغي ربط تعليم اللغة الأوردية بالحضارة الهندية والتراث الثقافي المشترك. وليست هذه مهام منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة: ربط اللغة بالتعليم، والتعليم بالمهارات، والمهارات بفرص العمل، وربط كل ذلك بالحياة الاجتماعية للإنسان. ولعل هذا الترابط هو أيضًا ما كان يحتل المكانة الأهم في تصور غاندي للتعليم.

تعليم غاندي والعالم التعليمي الجديد

لم يكن غاندي يعرف الذكاء الاصطناعي، ولا الحوسبة الكمية، كما أن الجامعة الرقمية لم تكن من المصطلحات المتداولة في عصره. ولذلك، ليس من المناسب وصف السياسة الوطنية للتعليم 2020 بأنها امتداد حديث حرفيًّا لمشروعه التعليمي الجديد، لأن كلاً منهما يعكس ظروف عصره الخاص. لكن السؤال الأساسي لا يزال هو نفسه: لماذا التعليم؟

فإذا كان التعليم من أجل العمل فقط، ضاق أفق الإنسان، وإذا كان هدفه الوحيد الحفاظ على التقاليد، ابتعد المستقبل عنه، وإذا كان مكرسًا للتكنولوجيا وحدها، فقد يتراجع الإنسان إلى الخلف. ولعل الطريق يكمن في الجمع بين فرص العمل والتراث، والعلم والإنسانية، والتكنولوجيا والأخلاق، والوعي العالمي والثقة باللغة والثقافة.

اقرأ أيضًا: استضافة بريكس والهند: خطوة مهمة نحو القيادة العالمية

وينبغي للطالب أن يدخل عالم المعرفة العالمي، من دون أن ينظر إلى لغته الأم باعتبارها لغة غريبة عنه؛ وأن يستفيد من الذكاء الاصطناعي، من دون أن يعطّل قدرته على التفكير؛ وأن يتقبل العلوم الحديثة، من دون أن يشعر بالخجل من ماضيه المعرفي؛ وأن يحلم بالنجاح، من دون أن يغفل مسؤوليته تجاه المجتمع.

ولعل هذا هو التوازن التعليمي الذي يمكن أن يربط فكر غاندي بأسئلة العصر الجديد.

*الأستاذ الدكتور مظهر آصف هو رئيس الجامعة الملية الإسلامية بنيودلهي.

قصص مقترحة