الدكتور ظفر دارك القاسمي*
من بين القادة العظام الذين قادوا نضال الهند من أجل الاستقلال، يلمع اسم الشيخ مولانا أبو الكلام آزاد كالنجم في سماء التاريخ.
وكانت رؤيته للوطنية تقوم على الإيمان والإنسانية والعدالة، إذ كان يؤمن بأن حب الوطن جزء من الإيمان، وأن وحدة الأمة شرط لبقاء الإنسانية.
وفي عام 1923، خلال رئاسته لإحدى جلسات المؤتمر الوطني الهندي، عبّر مولانا آزاد عن إيمانه العميق بالتعايش والوئام بين الأديان قائلاً: "لو جاءني مَلَكٌ وقال لي إن حرية الهند ووحدة الهندوس والمسلمين لا يمكن أن تتحققا معًا، لاخترتُ الوحدة على الحرية، لأن الحرية مؤقتة، أما الوحدة فأبدية".
وكان آزاد ينظر إلى الوطنية بوصفها امتدادًا طبيعيًا للدين، لا نقيضًا له. فبرأيه، الإيمان الحق لا يكتمل إلا بحب الوطن وخدمة الإنسان. وكان يرى في القرآن الكريم مرجعًا شاملًا للهداية الإنسانية، إذ يعلّم أن حب الأرض هو في جوهره تعبير عن حب البشرية جمعاء.

وقد شدّد آزاد في خطبه وكتاباته على أن الإسلام لا يقوم على رابطة العِرق أو الأرض، بل على العدالة والأخلاق والتقوى. وفي مقالاته وخطبه، كان يُذكّر الناس بأن تقسيم الأمة باسم الدين يضر بالإيمان كما يضر بالإنسانية، وأن الواجب الحقيقي هو خدمة الوطن بروحٍ من الوحدة والتآخي.
وفي مقالاته الفكرية، وجّه نقدًا لاذعًا لكل محاولة لتقسيم الأمة باسم الدين، معتبرًا أن هذا الانقسام يسيء إلى الإيمان كما يجرح كرامة الإنسان. وكانت افتتاحياته تحمل نبرة حارة تدعو إلى الوحدة الوطنية وخدمة الوطن.
وكتب في مجلته "الهلال" عام 1913م: ""الهند بستان تتفتح فيه أزهار الديانات المختلفة، تفوح بعطرها معًا. فإذا ذبلت زهرة واحدة، فقد البستان كله جماله".
وفي عام 1915 كتب في مجلته "البلاغ": "ديننا لا يمنعنا من خدمة وطننا، بل يأمرنا أن نفديه بأرواحنا دفاعًا عنه وسعيًا لتقدّمه".

وقال في خطابه بالمؤتمر الوطني عام 1942م:"أحلمُ بالهند التي يتقاسم فيها الهندوس والمسلمون والسيخ والمسيحيون الأفراح والأحزان معًا".
وصرّح بفخر في في جلسة المؤتمر الوطني في رامغاره عام 1940م قائلًا:"أنا مسلم، وأعتزّ بإسلامي، لكنني أكثر فخرًا بكوني هنديًا".
وتجسّد هذه الأقوال رؤية آزاد العميقة لهويةٍ هندية تقوم على التنوع والوحدة، وعلى الإيمان بأن خدمة الوطن جزء من العقيدة، وأن قوة الهند الحقيقية تنبع من انسجام أبنائها رغم اختلاف أديانهم وثقافاتهم.
ولم يكن مفهوم الوطن لدى مولانا أبو الكلام آزاد مقتصرًا على حدودٍ جغرافية أو قطعة أرض، بل كان وطنًا روحيًا وأخلاقيًا يجمع أبناءه في رابطةٍ من القيم والمبادئ المشتركة. ولا تزال حكمة آزاد وتضحياته وروح الوحدة التي جسّدها تُلهم أبناء الهند حتى اليوم.
وكان آزاد عالمًا دينيًا بارزًا ومفكرًا مستنيرًا ووطنِيًا صادقًا نذر حياته لترسيخ الانسجام الوطني. وتشكّلت رؤيته الفكرية من تعاليم الإسلام، والتأمل القرآني العميق، والفكر الإنساني الحديث. كان يرى أن الدين ليس غايةً في ذاته، بل قوة دافعة لخدمة الإنسان وتحقيق العدالة الاجتماعية، ومن هذا الفهم وُلدت لديه فكرة وطنيةٍ متجذّرة في القيم الأخلاقية والروحية. وبصفته عضوًا فاعلًا، ثم رئيسًا لحزب المؤتمر الوطني الهندي، اعتبر آزاد أن تحرير الهند ليس هدفًا سياسيًا فحسب، بل واجبًا أخلاقيًا.
.jpg)
وكان آزاد يؤمن بأن الأمة الواقعة تحت نير العبودية لا يمكن أن تتقدّم، وأن الحرية الحقيقية لا تكتمل بالاستقلال السياسي وحده، بل تتطلب تحررًا فكريًا وروحيًا أيضًا. وتتمثل أعظم مساهماته في طرحه لفكرة القومية الجامعة التي واجه بها سياسة "فرّق تسد" التي انتهجها الاستعمار البريطاني. وكان يؤمن إيمانًا راسخًا بأن جميع أبناء الهند، على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، ينتمون إلى وطنٍ واحد.
وفي نظره، لم تكن الديانة هي ما يحدّد هوية الإنسان الوطنية، بل الأرض المشتركة والمصير الواحد. وقد عبّر عن هذا المبدأ الخالد بقوله الشهير: "أساس قوميتنا ليس الدين، بل الأرض التي نعيش عليها، فنحن جميعًا أبناء تربةٍ واحدة".
وعارض آزاد نظرية الأمتين أو القوميتين التي طُرحت عام 1940م معارضةً شديدة، معتبرًا إياها تتعارض مع مصالح الهند ومع روح الإسلام الحقيقية. ومن خلال مجلّتَيه "الهلال" و"البلاغ"، نجح في إيقاظ الوعي الوطني بين الشباب وبثّ روح المقاومة والفكر المستنير. وبرغم الاعتقالات المتكرّرة التي تعرّض لها على يد الاستعمار البريطاني، ظلّ متمسّكًا بمبادئه.
وكان مولانا أبو الكلام آزاد، أول وزير للتعليم في الهند المستقلة، يرى أن التعليم هو الأساس الحقيقي لنهضة البلاد وقوتها . ومن وجهة نظره، لا معنى للوطنية من دون المعرفة، إذ تتحوّل عندئذٍ إلى شعارٍ فارغٍ من المضمون.
وكان يرى أن المجتمع المستنير بالعلم هو وحده القادر على بناء وطنٍ حرّ ومتقدّم، وأن حبّ الوطن لا ينفصل عن الإيمان والوعي الروحي، فوطنيّته كانت روحانية بقدر ما كانت سياسية.
ورأى مولانا أبو الكلام آزاد أن الوطن هو رابطة مقدسة تربط الإنسان بماضيه وثقافته وهويته الجماعية. وكتب يقول إن حبّ الوطن دافع فطري وأخلاقي، يشدّ الإنسان إلى أرضه ولغته وأهله.
وخلال الأيام العصيبة التي رافقت تقسيم الهند عام 1947م، ظلّ آزاد ثابت الإيمان بوحدة البلاد، محذرًا من أن التقسيم لن يخدم الإسلام ولن يقوّي البلاد، قائلاً:"إذا انقسمت الهند اليوم، فسوف تنقسم غدًا أيضًا، وإن تكرار الانقسام سيقضي على روح هذه الأرض".
وتكشف مؤلفاته ولا سيما "غبار خاطر" و"تذكرة"، عن حبه العميق للوطن وإيمانه بالحرية الفكرية والأخلاقية. وحتى في فترات سجنه، كانت كتاباته تعكس الأمل والعدل وكرامة الإنسان، وتُظهر إصراره على أن القيد لا يمكن أن يقيّد الفكر الحرّ أو الروح المؤمنة بالإنسانية.
اقرأ أيضًا: محمد إقبال: شاعر الإنسانية الذي رأى في تنوّع الهند مصدر قوتها ووحدتها
ويختصر فكر آزاد في رؤيته للوطنية بأنها قيمة أخلاقية وإنسانية نابعة من الإيمان، تقوم على الوحدة والتسامح والتعليم والعدالة، مؤكّدًا أن حبّ الوطن لا يتعارض مع الدين، وأن قوة الوطن تكمن في تآلف قلوب أبنائه لا في حدوده الجغرافية.