ملك أصغر هاشمي/ راجستهان
يُقال إنّ الدِّين لا يُفرّق بين الناس، بل يُعلّمهم كيف يتّحدون. ففي وقتٍ تتزايد فيه المسافات بين البشر في أنحاء العالم، تكتب مدينة "كوتا" في ولاية راجستهان قصةً تجعل صدر كل هندي يفيض فخرًا واعتزازًا. فهذه "مدينة التدريب" في راجستهان لا تُخرّج الأطباء والمهندسين فحسب، بل تُعلِّم درسًا في الإنسانيّة يسمو فوق أي شهادةٍ علميّة. وخلال شهر رمضان المبارك، فإن المشهد الذي يظهر في شوارعها وسط سكون الليل يروي حكايةً فريدةً ومؤثرة عن الوئام الطائفي والتعايش السلمي بين الأديان.
وفي حيّ "فيغيان ناغار" بمدينة كوتا، عندما يكون العالم غارقًا في نومٍ عميق، يبدأ يوم فينود كومار وفريقه. فعند الساعة العاشرة ليلًا تمامًا تدبّ الحركة في مطبخٍ كبير؛ تُشعَل المواقد، وتتعالى رنّات الأواني، وتفوح في الأجواء رائحة الطعام الطازج. وهذه التحضيرات ليست لاحتفالٍ كبير، بل لتحضير وجبات "السحور" لمئات الطلبة المسلمين الذين تركوا منازلهم وجاؤوا إلى هنا ينسجون أحلام مستقبلٍ مشرق.
وقد كشف إس. زيد. قادر خان تفاصيل هذه المبادرة عبر مدونته، التي حازت إعجابًا واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي. وتُعدّ كوتا معقلًا لمؤسسات التدريب التعليمي، حيث يفد إليها طلاب من شتّى أنحاء البلاد للاستعداد لدراسة الطب والهندسة. ويواجه هؤلاء ضغطًا دراسيًا هائلًا يجعلهم غارقين في كتبهم ليلًا ونهارًا. وخلال أيام رمضان، حيث تتكثّف العبادة ويشتدّ الصيام، يصبح توفير وجبات سحورٍ وإفطارٍ مغذية في الوقت المناسب تحدّيًا كبيرًا، ولا سيما للطلاب المقيمين في النُّزُل، حيث لا تتوافر مرافق الطهي في ساعات الليل المتأخرة.
وفي مثل هذه الظروف، برزت مؤسسة "مُهِم" بقيادة فينود كومار كأنها ملاكُ رحمة. وتقع هذه المؤسسة في حيّ فيغيان ناغار، وتضمّ نُزلين يقيم فيهما طلابٌ وطالبات يواصلون دراستهم. ومع حلول شهر رمضان، يُفعَّل مكتب المساعدة التابع لـ"مُهِم" على الفور. ولا يقتصر فريق فينود كومار على الموظفين فحسب، بل يضمّ مثقفين من المدينة، ومسؤولين حكوميين، وتجارًا بارزين. فجميعهم يضعون مكانتهم الاجتماعية جانبًا، ويعملون من الساعة العاشرة والنصف ليلًا حتى الرابعة فجرًا بجدٍّ وتفانٍ.
والأمر اللافت والمفرح أن الطعام الذي يُحضَّر في هذا المطبخ يُقدَّم مجانًا بالكامل. إذ يُعَدّ يوميًّا سحورٌ لما بين 500 و600 طالب. وإذا نظرنا إلى الحسابات المالية، نجد أن تكلفة وجبة السحور الواحدة تقارب 40 روبية، ما يعني أن الفريق ينفق يوميًّا ما بين 25 إلى 30 ألف روبية، دون أن يُؤخذ من أي طالبٍ ولو فلس واحد. ويتمّ تغطية هذه النفقات من خلال تبرعات السكان المحليين وجهود الفريق الذاتية. وعند الانتهاء من إعداد الطعام، يُحمَّل في مركباتٍ ثلاثية العجلات، ويُنقل إلى الأحياء التي يقطنها عددٌ كبير من الطلاب. وفي ظلمة الليل، ما إن تصل هذه المركبات، حتى يخرج الطلبة، ويتسلّمون وجبات السحور بمحبةٍ وامتنان. فالمشهد ليس مجرد إشباعٍ للجوع، بل هو تعزيزٌ لروح الثقة والتآخي.
ويُوضح قادر خان أنّ نطاق هذا العمل الإنساني لا يقتصر على الطلاب فحسب، بل إن مبادرة الخير هذه تجاوزت حدود الانتماءات الدينية بالكامل. فإذا تبقّت بعض وجبات السحور ليلًا، لا يُصار إلى رميها أو تخزينها، بل يخرج أعضاء الفريق إلى الشوارع، ويوزّعونها دون أي تمييز ديني على المشردين النائمين عند التقاطعات، وعلى مرافقي المرضى الجالسين خارج المستشفيات، وعلى كل محتاج.
اقرأ أيضًا: رايسن في مادهيا براديش تحيي تراث "مدفع رمضان" منذ القرن الثامن عشر
وتواصل مؤسسة "مُهِم" هذا العمل النبيل منذ عدة سنوات، حتى امتدّ صداها إلى المدن المجاورة. واليوم، بات سكان المدن القريبة من كوتا يأتون بأنفسهم للمشاركة في هذا العمل الخيّر؛ فبعضهم يساعد في تقطيع الخضروات، وآخرون يساهمون في تعبئة الوجبات، في مشهدٍ يعكس روح التضامن والتكافل الإنساني.
وقصة كوتا هذه تُعلّمنا أنه حين تكون النوايا صادقة، ويكون في القلوب احترامٌ حقيقي للإنسانية، نستطيع معًا أن نبني مجتمعًا لا ينام فيه أي طفلٍ جائعًا، ولا يختنق فيه أي حلمٍ بسبب نقص الإمكانات.