إيمان سكينة
لطالما احتلّ السفر مكانة ذات معنى عميق في التراث الإسلامي. فقبل أن تجعل وسائل النقل الحديثة الرحلات مريحة وسريعة، كان المسلمون يقطعون مسافات شاسعة طلبًا للتجارة والعلم والعبادة، ونشرًا للقيم الخيّرة. وفي الإسلام، لا يُعدّ السفر مجرد انتقال جسدي من مكان إلى آخر، بل هو فعل مقصود يمكن أن يتحوّل إلى عبادة إذا اقترن بحسن النية والالتزام بالآداب الشرعية.
أهمية السفر في الإسلام
يشجّع القرآن الكريم المؤمنين مرارًا على السير في الأرض والتأمّل في آيات الله. فالسفر يتيح للإنسان مشاهدة تنوّع الخلق، والاطّلاع على قيام الحضارات السابقة وسقوطها، والتعرّف إلى النعم الكثيرة التي تزخر بها الأماكن خارج نطاق المألوف. وتُسهم هذه التجارب في تعميق الإيمان، وزيادة التواضع، وتذكير المؤمن بعظمة الله وحكمته.
كما يعترف الإسلام بالسفر وسيلةً للنموّ الشخصي. فقد قام العديد من صحابة النبي محمد ﷺبرحلات طويلة وشاقّة طلبًا للعلم، أو لكسب الرزق الحلال، أو لتوثيق صلة الرحم، أو لأداء العبادات مثل الحج والعمرة. ولم تكن هذه الرحلات تُعدّ انشغالًا عن الإيمان، بل كانت تُنظر إليها بوصفها فرصًا لتعزيزه وتقويته.
وفي الإسلام، تُقاس الأعمال بالنيّات. وقبل الشروع في السفر، يُستحبّ للمسلم أن يحدّد غاية رحلته. فسواء كان السفر من أجل العمل، أو التعليم، أو زيارة الأهل، أو الترفيه، أو العبادة، فإن استحضار النيّة الصادقة يحوّل الرحلة إلى عملٍ من أعمال الطاعة والقرب إلى الله.
وقبل الشروع في السفر، ينبغي للمسلم أن: يحرص على تسوية الأمور المالية وسداد الديون؛ وأن يوفّر احتياجات أفراد أسرته الذين سيتركهم خلفه؛ وأن يستأذن الوالدين ويلتمس دعاءهما وبركتهما؛ وأن يجهّز ملابس محتشمة مناسبة للصلاة وللحفاظ على الوقار؛ وأن يخطّط للرحلة بطريقة تتجنّب المشقّة غير الضرورية.
وقد حثّ النبي ﷺالمسافرين على الانطلاق في وقتٍ مبكّر، وعلى التنظيم وحسن الترتيب، وهو ما يعكس تأكيد الإسلام على التوازن، وحسن التدبير، وبعد النظر.
ومن السمات المميّزة لآداب السفر في الإسلام الاعتماد على الله من خلال الدعاء. فقبل الانطلاق، يُستحبّ للمسلمين تلاوة أدعية مختارة يلتمسون فيها الحفظ، والتيسير، والسلامة. وتُذكّر هذه الأدعية المسافر بأنّه مهما بلغت وسائل البشر من تقدّم، فإن الحماية الحقيقية والنهائية لا تكون إلا من عند الله.
وينطوي السفر بطبيعته على قدرٍ من عدم اليقين. ويعلّم الإسلام المؤمنين أن يضعوا ثقتهم وتوكّلهم على الله، مع الأخذ بالأسباب واتخاذ الاحتياطات المعقولة. ويُحقّق هذا التوازن بين السعي والاعتماد على الله طمأنينة القلب، ويمنح المسافر قوةً روحية وسكينة نفسية.
السلوك أثناء السفر
لا تتوقّف الآداب الإسلامية أثناء الرحلة، بل تزداد أهميتها؛ لأن السفر يكشف أخلاق الإنسان ويختبر سلوكه.
المحافظة على الصلاة: يمنح الإسلام للمسافر رخصًا شرعية، مثل قصر الصلاة والجمع بينها، في دلالة على رحمة الله وتفهّمه لمشقة السفر. ومع ذلك، لا تُترك الصلاة أبدًا، إذ تبقى صلة العبد بربّه قائمة حتى وهو في طريقه.
حسن الخُلُق: يمثّل المسافر الإسلام أينما حلّ. فالأدب، والصبر، والصدق، واحترام الآخرين من مسافرين ومضيفين وأهالي البلاد، تعكس جوهر هذا الدين. ويُشدّد الإسلام على النهي عن الكِبر، والاستغلال، أو إلحاق الأذى بالناس، ويؤكد أن الأخلاق الحسنة هي خير زادٍ في السفر.
الحلال والاحتشام: يحرص المسلم أثناء السفر على الالتزام بالطعام الحلال، واللباس المحتشم، والسلوك الأخلاقي القويم. فالبُعد عن الوطن ليس مبررًا للتفريط في القيم، بل هو امتحان للصدق وضبط النفس والثبات على المبادئ.
الاهتمام بالآخرين: يُستحبّ مساعدة رفقاء السفر، وإظهار اللطف مع الغرباء، وتجنّب النزاعات غير الضرورية. وقد علّم النبي ﷺأن خير الناس أنفعهم للناس، وهو مبدأ يتجلّى بوضوح في حال السفر والارتحال.
ويُعزّز الإسلام احترام الثقافات المختلفة ما دامت لا تتعارض مع مبادئه وتعاليمه. ويُشجَّع المسلم المسافر على أن يكون ضيفًا مهذّبًا، يحترم العادات المحلية، ويتجنّب السخرية من الآخرين أو الانتقاص منهم. كما تُعدّ المسؤولية البيئية جزءًا أصيلًا من الأخلاق الإسلامية؛ فإهدار الموارد، أو تلويث البيئة، أو إيذاء الحيوانات يتناقض مع مفهوم الإنسان خليفةً في الأرض. ومن واجب المسافر المسلم أن يترك الأماكن التي يزورها أنظف وأفضل مما وجدها.
اقرأ أيضًا: بناء العادات الإيجابية والروتين اليومي للمهنيين العاملين في ضوء القيم الإسلامية
وعند العودة إلى الديار، يُؤكِّد الإسلام على شكر الله تعالى؛ فإتمام الرحلة بسلام نعمة تستحق الحمد والامتنان. كما أن مشاركة التجارب بأسلوب يدعو إلى التأمّل والشكر والتعلّم، لا إلى التفاخر والمباهاة، ينسجم مع القيم الإسلامية. وينبغي أن يترك السفر أثره في المؤمن، فيزيده وعيًا بنعم الله، وأشدّ رحمةً بالناس، وأكثر إدراكًا لطبيعة الحياة الزائلة وفنائها.