"مالابار براتا 99".. رحلة كفاح بدأت من باب إلى باب

23-06-2026  آخر تحديث   | 23-06-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
زينت بيغم
زينت بيغم

 


راتنا جي. تشوتراني

تدور قصص النجاح في كثير من الأحيان حول الثروة والشهرة والمشروعات الكبرى، لكن هناك أشخاصًا يجعلون من نجاحهم وسيلة لتغيير حياة الآخرين لا مجرد تحسين حياتهم الشخصية. وتُعد زينت بيغم من حيدر آباد واحدة من هؤلاء النساء. فقد تحولت من ربة منزل عادية إلى سيدة أعمال ناجحة، في رحلة تجسد معاني الصبر والتضحية والإصرار، وتبعث الإلهام في نفوس النساء. واليوم لا يقتصر طموحها على إدارة علامة تجارية ناجحة، بل يتمثل أيضًا في إنشاء دار آمنة لكبار السن من الآباء والأمهات الذين يواجهون الوحدة والعجز في سنوات عمرهم الأخيرة.

وتنطلق قصة زينت بيغم من أحياء أتابور في منطقة مهدي باتنم بمدينة حيدر آباد، حيث تقدم نموذجًا لامرأة عادية امتلكت عزيمة استثنائية. وقد تلقت تعليمها في إحدى مدارس الأردية، وتزوجت في سن مبكرة من مدير فندق. وكانت حياة زوجها تدور حول مسؤوليات العمل الفندقي وما يرتبط به من مناسبات وضيافات وأعمال إدارية، بينما كانت حياتهما تسير بهدوء واستقرار وبساطة.

ومع مرور الوقت، تزوّج ابنهما وابنتهما، وكانا يأملان، كما هو حال كثير من الآباء والأمهات، أن يكون الابن سندًا لهما في مرحلة الشيخوخة. غير أن الأقدار كانت تحمل لهما مسارًا مختلفًا؛ إذ انتقل الابن وزوجته إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وبعد ذلك، بدأ زوج زينت يعاني شعورًا متزايدًا بالوحدة والانكسار. فقد انتهت فترة عمله، ولم يعد لديه مصدر دخل ثابت، وأصبح يقضي ساعات طويلة جالسًا إلى جانب النافذة، يحدق بصمت في الطريق.

وفي تلك الأثناء، اقترح أحد الجيران فكرة بيع خبز المالابار براتا، فكان ذلك الاقتراح بمثابة بصيص أمل جديد للأسرة. وبدأ زوج زينت بالفعل ببيع البراتا من منزل إلى آخر، وسرعان ما شهد المشروع نجاحًا مشجعًا دفعه إلى شراء كميات كبيرة من المنتج. لكن المرض باغته فجأة، واضطره إلى التوقف عن العمل، لتجد الأسرة نفسها أمام آلاف قطع البراتا المخزنة دون مشترين.

وكانت تلك اللحظة نقطة تحول حاسمة في حياة زينت بيغم. فقد قررت أن تتولى زمام الأمور بنفسها، وحملت حقيبتها على كتفها، وبدأت تتنقل من باب إلى باب لبيع البراتا. وأصبحت حرارة الطقس والعطش والإرهاق جزءًا من يومياتها، لكنها لم تسمح للصعوبات بأن تثنيها عن مواصلة الطريق أو التراجع عن مسؤوليتها تجاه أسرتها.

وبعد فترة، عرض أحد الأقارب أن ينقل زينت عبر عربته الآلية (الأوتو ريكشا) إلى مناطق مختلفة لبيع منتجاتها، وهو ما منح المشروع دفعة جديدة وساعد على توسيع نطاق العمل.

وعندما تحسنت صحة زوجها، تولّى الزوجان إدارة المشروع معًا، إلا أن التحديات لم تنتهِ عند هذا الحد. فقد طالب القريب الذي كان يتولى النقل بحصة أكبر من الأرباح، ومع تصاعد الخلافات قرر الانسحاب من المشروع.

وفي حين كان كثيرون قد يستسلمون في مثل هذه الظروف، اختارت زينت وزوجها البحث عن فرصة جديدة. فتواصلا مع أحد الصناعيين وحصلا على وكالة لتوزيع منتجاته، مما أعاد النشاط إلى المشروع، وبدأت منتجاتهما تصل إلى المتاجر الكبرى ومراكز التسوق.

ولكن اختبارًا جديدًا كان في انتظارهما، إذ تعرض صاحب المصنع الذي كانا يتعاملان معه لوعكة صحية. عندها اتخذ الزوجان قرارًا مصيريًا بإطلاق علامتهما التجارية الخاصة، وهكذا وُلدت علامة "مالابار براتا 99". غير أن رحلة النجاح لم تخلُ من الألم؛ فقد توفي زوج زينت بعد ذلك بوقتٍ ما. وربما كانت القصة ستنتهي عند هذه المحطة بالنسبة إلى كثيرين، لكن بالنسبة إلى زينت بيغم كان ذلك بداية فصل جديد من الكفاح والإنجاز.

فقد وقفت ابنتها إلى جانبها، كما قدم صهرها الدعم المالي اللازم لتطوير المشروع، ليتحول النشاط المنزلي الصغير تدريجيًا إلى مشروع صناعي منظم. واليوم تبيع الشركة ما بين 1800 و2000 عبوة من خبز المالابار براتا يوميًا.

واستفادت زينت من شبكة علاقاتها القديمة للوصول إلى الفنادق والمقاصف التجارية وصغار الموزعين. ورغم أن هامش الربح ما يزال محدودًا، فإن الطلبات تشهد نموًا مستمرًا عامًا بعد عام.

وفي مصنعها، تفوح باستمرار رائحة الدقيق والسمن، بينما توفر فرص عمل لأكثر من خمسة عشر شخصًا، وتقوم بتدريبهم على أسرار صناعة المالابار براتا وإتقان تفاصيلها الدقيقة.

وحتى اليوم، لا تزال زينت تشرف بنفسها على فحص كل دفعة إنتاج جديدة. وبعد سنوات طويلة من العمل والمثابرة، باتت منتجات "مالابار براتا 99" تصل إلى العديد من المناطق والولايات، لتجسد قصة امرأة حولت المحن إلى فرص، وصنعت من التحديات طريقًا إلى النجاح.

ولكن أحلام زينت بيغم ما زالت بسيطة رغم كل ما حققته من نجاح. فهي لا تطمح إلى جمع الذهب، ولا إلى امتلاك قصر فخم أو حياة مترفة. بل تتمنى أن توثق رحلة كفاحها في كتاب، وأن تخصص عائداته لإنشاء دار لرعاية المسنين. وتحلم بأن يكون هذا المكان ملاذًا آمنًا للآباء والأمهات الذين وجدوا أنفسهم وحيدين في سنوات العمر الأخيرة، بعد أن تخلّى عنهم أبناؤهم أو فرّقتهم ظروف الحياة عن أسرهم.

فإن زينت تدرك من تجربتها الشخصية أن الأبناء قد يبتعدون أحيانًا، لكن الإرادة والأمل لا يخذلان الإنسان أبدًا. وتقول: "عندما لا تملك شيئًا، تدرك قيمة كل روبية، وعندما يرزقك الله بشيء، تبدأ في الشعور بحجم احتياجات الآخرين ومعاناتهم".

وتُعد حياة زينت بيغم شاهدًا حيًا على أن النجاح لا يُقاس بحجم الثروة فقط، بل بقدرة الإنسان على أن يكون مصدر أمل للآخرين. فقد حوّلت الحزن والوحدة والضائقة المالية إلى قوة دافعة، وأثبتت أن الإصرار والمثابرة قادران على تجاوز أقسى التحديات.

اقرأ أيضًا: سحر علي.. أخصائية نفسية تجعل من الفن طريقًا إلى الشفاء والتوازن

واليوم، لا تمثل علامة "مالابار براتا 99" مجرد مشروع تجاري ناجح، بل تجسد قصة امرأة رفضت الاستسلام للظروف، واختارت أن تصنع مستقبلها بيديها. وأما حلمها الأكبر، فهو إنشاء بيت يمنح كبار السن الذين طواهم النسيان فرصة للعيش بكرامة ومحبة وطمأنينة.

وربما يكون هذا الحلم الإنساني النبيل هو ما يمنح قصة زينت بيغم معناها الحقيقي، ويجعل نجاحها يتجاوز حدود التجارة والأعمال ليصبح رسالة أمل وعطاء للمجتمع بأسره.