ندوة وطنية في جامعة دلهي تناقش السرديات الشفوية والتراث الشعبي

20-02-2026  آخر تحديث   | 20-02-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
ندوة وطنية في جامعة دلهي تناقش السرديات الشفوية والتراث الشعبي
ندوة وطنية في جامعة دلهي تناقش السرديات الشفوية والتراث الشعبي

 


إعداد: د. محمد أبو تراب

نظّم قسم اللغة العربية بجامعة دلهي ندوةً وطنية ليومين (16-17 فبراير 2026م) تحت عنوان "السرديات الشفوية والتراث الشعبي: ملتقى الثقافات"، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين من مختلف الجامعات والتخصصات الذين ناقشوا خلالها الأبعاد الثقافية واللغوية والتاريخية للتقاليد الشفوية.

وقدّم رئيس القسم الأستاذ حسنَين أختر، إطار الندوة ومحاورها، مبرزًا طبيعتها البينية التي تسعى إلى استكشاف أهمية التراث الشفهي في السياق الهندي وتعزيز الحوار العلمي بين التخصصات المختلفة، بما في ذلك علم النفس واللسانيات والدراسات البوذية والبنجابية والهندية والأردية. وأكّد أن التعدد اللغوي والثقافي الذي تتميز به الهند يفرض ضرورة العناية بالموروث الشفهي بوصفه مستودعًا حيًّا للذاكرة الجمعية والهوية الثقافية. وترأس الجلسة الأستاذ كفيل أحمد القاسمي، عميد كلية الآداب بجامعة عليكراه الإسلامية سابقًا، حيث تناول بإيجاز دالّ صلة الفولكلور بالتراث اللغوي والأدبي العربي، مستشهدًا بمصادر كلاسيكية بارزة مثل "البيان والتبيين"، و"كليلة ودمنة"، و"ألف ليلة وليلة، و"المقامات"، وأبرز أثر الأشكال السردية الشفوية من ملاحم وحكايات في تشكيل التعبير الأدبي العربي، كما ربط تلك الجذور بالتطورات السردية الحديثة، مشيرًا إلى أعمال المترجمين الأولين في العصر الحديث من أمثال رفاعة رافع الطهطاوي ومصطفى لطفي المنفلوطي وغيرهم، ومؤكدًا أهمية التراث الشعبي لفهم أعمق للثقافة الإنسانية والوعي الحضاري.

وألقى الكلمة الرئيسة في هذه الندوة الأستاذ الدكتور آنند براكاش، الرئيس السابق لقسم علم النفس بجامعة دلهي، فقدّم عرضًا تحليليًا شاملاً لمفهوم الفولكلور وحدوده وصلته بالحياة اليومية، مبرزًا الفروق بينه وبين الأجناس الأدبية الأخرى، ومؤكدًا حضوره المستمر في المجتمع المعاصر. وفي ضوء المشهد اللغوي المتعدد في الهند، أشار الأستاذ براكاش إلى الإمكانات الكبيرة لصون التقاليد الشفوية والمعارف المحلية، مستعينًا بأمثلة تطبيقية من البنى المجتمعية مثل مجالس "خاب بانشيات" لدى بعض جماعات الجات، ومبيّنًا صلتها بالذاكرة الاجتماعية الشفوية وأنماط تداول الخطاب الثقافي.

كما قدّمت الأستاذة سوكريتا بول مداخلةً لافتةً شدّدت فيها على ضرورة تدويل الدراسات الشفاهية، وبيّنت دور الممارسات الشفوية في تشكيل الوعي الجمعي وارتباطها بالجغرافيا وعلم النفس، مستعرضة نماذج من الأغاني الزواجية والتبادلات اللفظية الطقوسية بوصفها تعبيرات ثقافية حية قد تتضمن روح الدعابة وأشكالاً من التناوش اللفظي المنمّق. وأكدت أهمية توثيق هذا التراث كتابةً، متوقفة عند مفهوم "الأرشيفات المضادّة" بوصفها فضاءات بديلة لحفظ أصوات الفئات المهمشة.

وأكّدت الأستاذة كيه. راتنابالي، عميدة الشؤون الأكاديمية، في مداخلة أخرى، أن اللغة تمثّل ركيزةً أساسيةً للثقافة، وأن التراث الشعبي يحمل في طياته سرديات تاريخية كامنة، مشيرةً إلى التحديات التي تواجه حفظه وإحياءه في ظل التحولات الرقمية وتسارع تقنيات الذكاء الاصطناعي، وداعية إلى تجديد الالتزام العلمي بحماية التراث غير المادي.

وشهدت الجلستان العلميتان عروضًا بحثية معمقة ونقاشات ثرية؛ وترأس الأولى منهما الأستاذ سميع أختر والأستاذ الدكتور نسيم أختر، فيما ترأس الثانية الأستاذ محمد أيوب الندوي والأستاذ الدكتور محمد ثناء الله الندوي. وقد أكدت الملاحظات الختامية أن الفولكلور -بما يشمله من أساطير وطقوس وأمثال وعادات- ليس مجرد ترفيه، بل مخزون دلالي يعكس رؤى المجتمعات الأخلاقية والميتافيزيقية تجاه الحياة والقدر والعدالة، ويحمل تأملات وجودية سبقت تنظيرها الفلسفي، كما أبرزت أبعاده الروحية من خلال الأناشيد والممارسات والسير القدسية التي تعزز الصلة بالموروث المقدس والأسلاف.

وقدّمت الأستاذة تيستا باغتشي (الأستاذة المتقاعدة من قسم اللسانيات بجامعة دلهي) بحثًا بيّن تداخل الأغنية الشعبية والسرد الشفهي في تشكيل التعبير الثقافي عبر الحدود اللغوية والدينية، متخذة من أشعار حسن راجا ولالون شاه الفقير نموذجًا يكشف حضور عناصر سردية مستمدة من التراث العربي والصور القرآنية والأساطير الكريشنية والتاريخ التعبدي الفيشنافي، بما يعكس مسارات التفاعل الثقافي بين جنوب آسيا والعالم العربي. وخلصت دراستها إلى أن الأغنية الشعبية تؤدي دورًا مزدوجًا في حفظ السرد الشفهي وتوسيعه، مع ما يرافق ذلك من سيولة نصية وتحديات ترجميّة.

وفي اليوم الثاني من فعاليات الندوة، أقيمت ثلاث جلسات علمية (حضوريًا وافتراضيًا) ترأسها كل من الأستاذ رضوان الرحمن، والأستاذ أشفاق أحمد، والأستاذ عبد الماجد القاضي، والأستاذ عبد المجيد، والدكتور أورنكزيب.

ومن الجدير بالذكر أن الأقسام الأخرى التابعة لكلية الآداب أيضًا شهدت تنظيم جلسات متوازية خلال فعاليات الندوة، ومن هذه الأقسام؛ الدراسات البوذية، وعلم النفس، واللسانيات، والبنجابية، والأردية، بمشاركة فاعلة من الطلبة والأساتذة، وذلك تحت إشراف رؤساء الأقسام وكبار الأساتذة.

اقرأ أيضًا: جامعة عجمان تستضيف المؤتمر الثاني لرؤساء الجامعات الهندية-العربية خلال الفترة 11-12 فبراير

وشهدت الجلسة الختامية ثلة من الأكاديميين الذين أشادوا بحسن اختيار الموضوع ونجاح تنظيم الفعاليات. وأعرب الأستاذ حسنين أختر عن تقديره لحضور الباحثين والأكاديميين بشكل فعال، كما أشاد بجهود جميع أعضاء هيئة التدريس في إنجاح هذا الحدث.

وقدّم الدكتور مجيب أختر منسق الندوة تقريرًا شاملاً عن الموضوعات التي غطتها الندوة خلال اليومين، مشيرًا إلى أن حوالي خمس وتسعين ورقة علمية قُدِّمت، والتي عكست اتساع الاهتمام المعاصر بدراسات التراث الشعبي والسرديات الشفوية وتنوع مقارباتها.