إيمان سكينة
لطالما شغل العلماء المسلمون -العلماء ورثة الأنبياء- دورًا مركزيًا ومقدسًا في تشكيل وتوجيه وصون البنية الأخلاقية والاجتماعية والروحية والفكرية للمجتمعات الإسلامية. فمسؤوليتهم لا تقتصر على إلقاء الخطب أو إصدار الأحكام الشرعية، بل تمتد إلى تهذيب القلوب، وبناء المجتمعات المتحلية بالقيم الأخلاقية، وحماية المعرفة الأصيلة، وتقديم البوصلة في خضم تعقيدات الحياة المعاصرة.
وإنّ القرآن الكريم يُكرّم أهل العلم تكريمًا خاصًا، إذ يقول: "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" (الزمر: 9)، مُبينًا الرفعة التي منحها الله للعلماء، ودورهم الجوهري الذي لا غنى عنه في بناء المجتمع وتوجيهه.
وفي المجتمعات المسلمة، يُعدّ العلماء ركائز للحكمة والدعم الروحي والهداية. ولهم تأثير محلي وعالمي في آنٍ واحد، إذ يسهمون في تشكيل أفكار الناس، وتعزيز إيمانهم، وتجاوز تحدياتهم، وصون هوياتهم، وترسيخ العدل. ولا تزال حكمتهم مصدرًا للثبات والنور في عالمٍ يموج بالتغيرات السريعة والالتباسات الأخلاقية.
ولضمان بقاء تعاليم الإسلام الخالدة حيّة للأجيال القادمة، ينبغي للمجتمع أن يوقّر علماءه، ويشجّع جهودهم، ويحرص على طلب العلم من مصادر موثوقة وأصيلة.
وإنّ الدور الأول والأبرز للعلماء المسلمين هو حفظ ونقل المعرفة الأصيلة. فمنذ عهد الصحابة وحتى يومنا هذا، حمل العلماء مسؤولية صون القرآن الكريم والحديث النبوي ومبادئ الفقه الإسلامي. ومن خلال الدراسة المتقنة، والحفظ، والتحقيق، والتعليم، يضمنون بقاء التعاليم الإسلامية نقية وموثوقة وخالية من التحريف.
ويحافظ العلماء على التراث الفكري للإسلام من خلال: تأليف الكتب العلمية القديمة والحديثة؛ والتدريس في المساجد، والمدارس الدينية، والجامعات الإسلامية، والمنصّات الإلكترونية: وتدريب العلماء والأئمة الجدد؛ وصون سلاسل الإسناد (السند).
ولولا إخلاصهم وتفانيهم، لبهت غنى التراث العلمي الإسلامي الممتد عبر العقيدة والفقه والأخلاق والروحانيات وغيرها بمرور الزمن. كما يؤدي علماء الإسلام دورًا حيويًا في بناء الشخصية الأخلاقية للأفراد والمجتمعات. فهم يساعدون الناس على ربط المعرفة الدينية بالحياة اليومية، ويذكّرونهم بواجباتهم تجاه الله وتجاه إخوانهم البشر.
وويُوجّه العلماءُ المجتمعَ من خلال: إلقاء خُطب الجمعة والدروس التعليمية؛ وتعليم قيم التواضع والصدق والتعاطف والعدل؛ ومعالجة المشكلات الروحية مثل الشكّ والقلق والاضطراب الأخلاقي؛ وتشجيع التوبة والصبر والشكر والإخلاص.
ومن خلال حكمتهم وفهمهم لطبيعة النفس البشرية، يساعد العلماءُ المسلمين على بناء حياة روحية متوازنة، قائمة على الإيمان وحسن الخلق. ومن أدقّ مسؤوليات العلماء تقديم الإرشاد الفقهي؛ إذ تطرح الحياةُ الحديثة قضايا جديدة --تكنولوجية وطبية ومالية واجتماعية- تتطلّب فهمًا عميقًا لتحديد ما ينسجم مع مبادئ الإسلام.
ويسهم العلماء في ذلك عبر: إصدار الفتاوى المستندة إلى الأدلة الشرعية والواقع المعاصر؛ وتقديم المشورة في الممارسات الطبية الأخلاقية، والمعاملات التجارية، وقضايا الأسرة؛ وضمان أن تكون الأحكام الشرعية واضحة وسهلة الوصول ومرتبطة بالواقع ومعزَّزة بالتعاطف؛ ومنع التطرف من خلال تقديم توجيه متوازن قائم على الأدلة.
وإنّ خبرتهم الفقهية تُمكّن المسلمين من ممارسة دينهم بثقة وصحة، حتى في زمن تتسارع فيه التغيرات. وفي عصرٍ ينتشر فيه التضليل بسرعة، يقف العلماء مدافعين عن الوسطية في الإسلام؛ فيواجهون الأيديولوجيات الضارة، ويصحِّحون المفاهيم الخاطئة، ويحفظون المجتمع من الاستغلال.
ويُسهم العلماء في مكافحة التطرف من خلال: ترسيخ فهمٍ متوازن وأصيل للإسلام؛ ودحض التفسيرات الباطلة والتشويهات الثقافية؛ وإشراك الشباب في حوارات هادفة؛ وتقديم حلول قرآنية سلمية للنزاعات والقضايا المجتمعية.
وعندما يؤدّي العلماء هذا الدور بإخلاص، فإنهم يحفظون وحدة المجتمع ويمنعون تشرذمه. فالعلّماء المسلمون ليسوا مجرّد معلّمين دينيين، بل هم أيضًا قادة مجتمعيون يحدّدون الملامح الأخلاقية للمجتمع. وتؤثر توجيهاتهم في تعزيز الوئام الاجتماعي، والعمل الخيري، والعدل، والمسؤولية العامة.
ويسهمون في ذلك من خلال: تشجيع خدمة المجتمع، والزكاة، والمشاريع الخيرية؛ والتوسط في النزاعات وتعزيز المصالحة؛ ودعم حقوق الفقراء والمظلومين والمهمَّشين؛ وتقديم المشورة للقادة والمؤسسات بشأن الحوكمة الأخلاقية.
اقرأ أيضًا: جامعة مولانا آزاد الوطنية الأردية.. منارة التعليم والثقافة في الهند
وإنّ المجتمع الذي يسترشد بعلماء متمكّنين ينمو تعاونًا وعدلًا ويزدهر في رفاهه الجماعي. ومع العولمة، يواجه المسلمون تحديات تتعلق بالهوية والضغط الثقافي والاندماج، ويساعد العلماء على صون الهوية الإسلامية مع تشجيع المشاركة الفاعلة في المجتمع.
وإنّ العلم الأصيل يُلهم الفضولَ الفكري والتفكير العميق؛ وقد أسهم العلماء المسلمون عبر التاريخ في الفلسفة والعلوم والطب والرياضيات والأدب، مستنيرين بإيمانهم.