نوشاد أختر / روهتاس (بيهار)
برزت من منطقة روهتاس في ولاية بيهار واقعة ذات دلالة رمزية عميقة، أعادت تسليط الضوء على قيم التعايش والتضامن المجتمعي. ففي وقت تشهد فيه البلاد محاولات متكررة لإثارة الانقسام وبثّ الكراهية الطائفية، قدّمت تلال روهتاس نموذجًا مغايرًا يقوم على الأخوّة بين الهندوس والمسلمين، ويجسّد تفاعلًا إيجابيًا ومسؤولًا بين مختلف مكوّنات المجتمع.
وتتمحور هذه الواقعة حول ترميم مسجد جامع يعود تاريخه إلى نحو خمسة قرون من العصر المغولي، حيث شارك أبناء المجتمع الهندوسي في أعمال الترميم بحماسٍ لافت، في خطوة تتجاوز بعدها الديني لتلامس جوهر المسؤولية الجماعية. ولا يكتسب هذا الحدث أهميته من كونه تعبيرًا عن انسجام طائفي فحسب، بل لأنه يؤكد أن صون التراث الثقافي المشترك فعلٌ حضاري يعكس وعي المجتمع بدوره في حماية الذاكرة التاريخية وتعزيز قيم العيش المشترك.

ويقود كريشنا سينغ ياداف، رئيس لجنة معبد شيفا في قرية "تشاورسن" بمنطقة روهتاس، مع عدد من رفاقه، حملة ترميم المسجد التاريخي، في مبادرة لاقت تفاعلًا واسعًا. وعلى الرغم من مشاركة المسلمين في أعمال الترميم، فإن إسهام المجتمع الهندوسي يظل الأبرز من حيث الحضور والحماسة، بما يعكس روح التعاون والتعايش بين أبناء المنطقة.
ويقع المسجد بالقرب من قلعة روهتاس غراه في ولاية بيهار، ويُعتقد أنه شُيّد عام 1578م على يد هانس خان خلال حكم الإمبراطور المغولي أكبر. وتمنح هذه الخلفية التاريخية المبادرة بُعدًا إضافيًا، إذ لا تقتصر على ترميم معلم ديني عريق، بل تؤكد أيضًا أهمية الحفاظ على التراث المشترك بوصفه ركيزة للتعايش والانسجام المجتمعي.
وانطلقت هذه المبادرة من معبد شيفا في قرية "تشاورسن" التابعة لمنطقة روهتاس، عقب الانتهاء مؤخرًا من أعمال ترميم المعبد. ومن هناك تبلورت فكرة إعادة ترميم المسجد العريق، بمبادرة من كريشنا سينغ ياداف ورفاقه، الذين سبق لهم الإشراف على ترميم معبد شيفا في قرية "تشاورسن". وجرى تنظيف المسجد، قبل أن تنطلق أعمال ترميمه بمشاركة واسعة من أهالي المنطقة، ولا سيما من المجتمع الهندوسي، في مبادرة جسّدت روح التعاون المجتمعي.
ووصف كريشنا سينغ ياداف ترميم المسجد بأنه تجسيد حيّ للانسجام الطائفي، مؤكدًا بالقول: "هذا تراثنا المشترك، بغضّ النظر عن اختلاف الأديان، ومن واجبنا جميعًا أن نتحمّل مسؤولية حمايته". وأوضح أن المسلمين يشاركون بفاعلية في هذا المشروع، غير أن مساهمة المجتمع الهندوسي تبدو أكثر وضوحًا من حيث الزخم والحضور.

وتعكس هذه المبادرة قدرة المجتمع المحلي على تجاوز الفوارق الدينية والتوحّد حول هدف مشترك، يتمثّل في حماية التراث الثقافي، بما يرسّخ قيم التعايش والتكافل، ويقدّم نموذجًا إيجابيًا للوحدة المجتمعية.
ويمثّل هذا المسجد، الذي يعود تاريخه إلى نحو خمسة قرون، شاهدًا معماريًا على الحقبة المغولية في عهد الإمبراطور أكبر، إذ شُيّد على يد هانس خان، أحد خاصّته الموثوقين. ويقع المسجد داخل مجمّع "غازي دروازة" في قلعة روهتاس غراه، إلا أنه تعرّض عبر السنوات لإهمال شديد.
ومع مرور الوقت، تدهورت حالته إلى حدّ استخدامه كحظيرة للماشية، من دون أن تُبذل جهود جادّة للحفاظ عليه أو صيانته، ما جعله يفقد مكانته كمعلم تاريخي وديني، إلى أن أعادت المبادرات المجتمعية الأخيرة الاعتبار له بوصفه جزءًا من التراث الثقافي المشترك.
وأعادت جهود الترميم الأخيرة الحياة إلى هذا المسجد التاريخي بعد سنوات طويلة من الإهمال. ويشارك أهالي المنطقة، ولا سيما أبناء المجتمع الهندوسي، في تنظيف المسجد والمساهمة الفاعلة في تطويره والحفاظ عليه. ومع استكمال أعمال الترميم، يُنتظر أن يستعيد هذا الموقع مكانته كأحد المعالم البارزة، وأن يعود ليشكّل قيمة تاريخية وثقافية يعتز بها المجتمع المحلي.

ولا يقتصر تاريخ روهتاس على المسجد وحده، إذ تتمتع المنطقة بثراء تاريخي وثقافي لافت. فقد شهدت قلعة روهتاس غراه ومحيط تلال كايمور تعاقب حضارات قديمة تركت بصماتها عبر العصور. كما عُثر في هذه التلال لوحات ونقوش أثرية تعود إلى أزمنة سحيقة، ما يعزّز من القيمة التاريخية للمكان ويؤكد مكانته بوصفه شاهدًا حيًا على عمق الإرث الحضاري للمنطقة.
وتُعدّ تلال كايمور من أقدم مناطق الاستيطان البشري، إذ شكّلت مركزًا للنشاط الإنساني منذ عصور ما قبل التاريخ، وتضمّ ملاجئ صخرية يُقدَّر تاريخها بنحو 10 آلاف عام قبل الميلاد. وإلى جانب ذلك، تحتضن المنطقة عددًا من الشواهد الدينية والثقافية التي تُثري إرثها التاريخي وتعكس تنوّعها الحضاري.
كما اكتسبت هذه التلال أهمية استراتيجية عبر التاريخ، لوقوعها على الطريق الذي سلكه الإمبراطور شير شاه سوري، وكانت جزءًا من نطاق دولته، ما يمنح المنطقة بعدًا إضافيًا من حيث الدور السياسي والعسكري الذي أدّته في مراحل تاريخية مختلفة.
وتعكس هذه الواقعة في روهتاس بولاية بيهار نموذجًا واضحًا للوحدة بين الهندوس والمسلمين، باعتبارها ممارسة واقعية تقوم على التعاون والمسؤولية المشتركة، لا على الاكتفاء بالخطاب الرمزي. وهي تؤكد أن تجاوز الخلافات الدينية، عندما يرتبط بحماية التراث الثقافي، يمكن أن يتحوّل إلى عمل فعلي يعزّز الانسجام المجتمعي ويجسّده على أرض الواقع.
وتحدّث كريشنا سينغ ياداف عن آفاق توسيع هذه الحملة، موضحًا أن الحملة لا تتوقف عند حدود ترميم موقع واحد، بل تسعى إلى ترسيخ وعيٍ مستدام بأهمية حماية التراث وصونه للأجيال القادمة. وأكد أن الخطوة المقبلة تتمثّل في العمل على صون مواقع دينية وتاريخية أخرى في روهتاس، بما يعكس فهمًا شموليًا لمسؤولية الحفاظ على الذاكرة الثقافية.

وفي هذا السياق، دعا السكان المحليين إلى المشاركة الفاعلة في حماية إرثهم الديني والثقافي، مؤكدًا أن الحفاظ على التراث لا يمكن أن يتم بجهود فردية متفرقة، بل يتطلب تضافر جهود المجتمع وترسيخ قيم التعاون والمسؤولية المشتركة.
ولم تقتصر آثار هذه المبادرة اللافتة في روهتاس على تعزيز ثقة المجتمع المحلي بنفسه، بل تجاوزت ذلك لتبعث برسالة واضحة إلى العالم مفادها أن الانسجام المجتمعي وروح الأخوّة والاعتزاز بالثقافة المشتركة تمثّل أدوات حقيقية وفعّالة لحماية التراث وصونه للأجيال القادمة.
اقرأ أيضًا: الهند تؤكد دعمها لسيادة ووحدة جمهورية الصومال
ويؤكد هذا النموذج أن التنوّع الديني لا يتعارض مع العمل المشترك، بل قد يكون مصدر قوة لإحداث تغيير مجتمعي بنّاء. وتبعث هذه المبادرة في روهتاس الأمل في أن تمثّل نقطة تحوّل إيجابية، تُحفّز تجارب مماثلة على مستوى الوطن كله.