المدرسة الإمدادية لمحمد عثمان في تاميل نادو تُنير درب المكفوفين

09-01-2026  آخر تحديث   | 08-01-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
المدرسة الإمدادية لمحمد عثمان في تاميل نادو تُنير درب المكفوفين
المدرسة الإمدادية لمحمد عثمان في تاميل نادو تُنير درب المكفوفين

 


سريلاثا إيم/تشيناي

يُدرِّس أشرف خان اللغة التاميلية في كلية خاصة بمدينة تشيناي. وقد فقد بصره منذ طفولته، وتعلّم طريقة برايل في مدرسة دينية صغيرة مخصّصة لذوي الإعاقة البصرية في ميلفيشارام قرب رانيبيت بولاية تاميل نادو. وُلد خان لأبوين فقيرين، ولم يكن لديه في وقتٍ ما سوى أمل ضئيل في الحصول على تعليم رسمي. وأما اليوم، فيتقاضى دخلاً شهريًا يقارب 50 ألف روبية.

ويعزو خان رحلته التعليمية والمهنية إلى محمد عثمان، مؤسس "المدرسة الإمدادية"، وهي مؤسسة خيرية تدعم الطلبة المكفوفين وذوي الإعاقة. ويقول خان: "التعليم أنقذ حياتي". وعلى عكس قصة صعود خان الاجتماعي، يستعيد عثمان ذكرياته عن رؤية أطفال مكفوفين يتسوّلون إلى جانب آبائهم أمام المعابد والمساجد. ويقول: "هذا ما يحدث للأشد فقرًا بين المسلمين. فعندما يكون الوالدان مكفوفين وفقراء، ينتهي الأمر بالأطفال في الشوارع".

وهنا يأتي دور "المدرسة الإمدادية"، إذ تتدخل المؤسسة في هذه المرحلة الحاسمة، فتخرج هؤلاء الأطفال من الشوارع وتُعرّفهم على التعليم القائم على طريقة برايل. وبينما يواصل بعض الآباء تلقي الدعم المالي من المؤسسة، أصبح العديد منهم اليوم يعتمدون على أبنائهم المتعلمين. ويختم عثمان قائلاً: "هذا هو النجاح الحقيقي".

وتُعدّ المدرسة الدينية شبه سكنية، وتعمل من مقرّ تبلغ مساحته نحو 5,000 قدم مربع، ويوفّر سكنًا داخليًا للطلاب القادمين من مناطق بعيدة. ويقيم حاليًا في المدرسة 50 طالبًا كفيفًا، أصغرهم يبلغ من العمر سبع سنوات فقط، ولا تتجاوز نسبة الفتيات بينهم عشر طالبات. ويتولى طاقم السكن رعاية الأطفال، مع الحرص على سلامتهم وتلبية احتياجاتهم اليومية.

ويعكس التنوع الجغرافي والاجتماعي لطلاب "المدرسة الإمدادية" محدودية خدمات دعم ذوي الإعاقة في الهند. فكثير من الطلاب يأتون من مناطق لا توجد فيها المدارس الحكومية المتخصصة إلا على الورق، أو من أسر لا تمتلك وعيًا بشهادات الإعاقة أو المنح الدراسية أو التقنيات المساعدة. وبالنسبة إلى آباء يرزحون تحت وطأة الفقر، تصبح الإعاقة البصرية في كثير من الأحيان حالة "موروثة" اجتماعيًا لا بيولوجيًا، تنتقل من جيل إلى آخر بسبب غياب الفرص.

ومن خلال الجمع بين التعليم الديني والتعليم الرسمي، تسدّ المدرسة فجوة لم تتمكن الولاية ولا المؤسسات التعليمية السائدة من معالجتها على نحو كافٍ. وقد نجحت في كسب ثقة الأسر، وفي الوقت ذاته مكّنت طلابها من مواصلة التعليم العالي والانخراط في سوق العمل. وبالنسبة إلى كثيرين، تمثل هذه التجربة المرة الأولى التي يُنظر فيها إلى التعلم ليس كعمل خيري، بل كحق أساسي.

ويدرس الطلاب القرآن الكريم والحديث الشريف وغيرهما من النصوص الدينية بطريقة برايل، وفي الوقت نفسه يواصلون تعليمهم المدرسي والجامعي العام باستخدام الوسائل السمعية. كما تقبل المدرسة الدينية طلابًا من ذوي إعاقات أخرى، غير أن تعليم برايل يُقدَّم بشكل منفصل.

ويقول عثمان إن الفكرة خطرت له بعد اطلاعه على مدرسة دينية للمكفوفين أُسِّست في جوهانسبرغ عام 2010م على يد مولانا حسن مرشي. وباستلهام من محاضرة ألقاها مرشي في مومباي، أنشأ عثمان مركزين في ولاية تاميل نادو، أحدهما في رانيبيت والآخر في تشيناي. وتعمل اليوم مدارس دينية مماثلة في أنحاء مختلفة من الهند، بما في ذلك كشمير.

ويضيف عثمان: "أفضلها توجد في تاميل نادو وبونه وأحمد آباد وأورنج آباد". ويُعدّ مركز تاميل نادو الأكبر من نوعه، كما يتولى طباعة وتوفير الكتب الدراسية والمواد الدينية بطريقة برايل لمدارس دينية أخرى للمكفوفين. وتبلغ كلفة طباعة نسخة واحدة من المصحف بطريقة برايل نحو 3,500 روبية، لكنها تُوزَّع مجانًا داخل الهند وخارجها.

ويقول عثمان: "جميع طلابنا يُتمّون حفظ القرآن الكريم، ويكملون الدراسة حتى الصف الثاني عشر، إضافة إلى التعليم الجامعي". ويتجه كثيرون منهم لاحقًا إلى الحصول على شهادة البكالوريوس في التربية، أو تعلّم استخدام الحاسوب، أو اكتساب مهارات يدوية مثل نسج الكراسي. ويستفيد من هذه المدارس الدينية نحو 500 طالب كفيف في مختلف أنحاء الهند.

وطموح عثمان واسع النطاق؛ إذ يحلم بإنشاء مدرسة للمكفوفين في كل مقاطعة، ومركز دروس خصوصية للمكفوفين في كل قرية. وهو ينتقد بحدة تعامل المجتمع المسلم مع قضية التعليم، قائلاً بصراحة: "المجتمعات الأخرى تستثمر في التعليم، أما نحن فلا نفعل".

ومع ذلك، يعتز عثمان بإنجازات طلابه. فإحدى طالباته، موبينا (اسم مستعار)، كانت كفيفة وفقيرة، وأصبحت في وضع بالغ الهشاشة بعد وفاة والدها. وقد تكفّلت المدرسة بدعم تعليمها، وهي تعمل اليوم معلمة في مدرسة حكومية، وتتقاضى دخلًا شهريًا يقارب 75 ألف روبية. وعندما سُئل عن أكثر القصص إيلامًا التي شهدها خلال العقد الماضي، توقّف عثمان لحظة قبل أن يقول: "كل قصة هنا هي قصة حزينة. فالقصص السعيدة تذهب إلى المدن والمدارس الخاصة، ولا تصل إلى المدرسة الدينية التي يديرها هذا الوقف".

وتفتح المؤسسة أبوابها للأشخاص من مختلف الأعمار، ولا تلتزم بالهياكل المدرسية التقليدية؛ إذ لا يُرفَض من يلتحق بالتعليم في سن متأخرة. وقد واصل عدد من خريجيها العمل في مؤسسات حكومية، من بينهم أحدهم التحق بهيئة السكك الحديدية بعد انضمامه إلى المدرسة الدينية في مرحلة متأخرة من حياته.

ويشير انخفاض عدد الفتيات في المدرسة الدينية أيضًا إلى حاجز اجتماعي أعمق؛ إذ تؤدي المخاوف المتعلقة بالسلامة والتنقّل وآفاق الزواج في كثير من الأحيان إلى إبقاء الفتيات داخل المنازل، ليصبحن غير مرئيات حتى داخل مجتمعاتهن نفسها. ويُقرّ عثمان بوجود هذا الخلل، لكنه يؤكد أن الإقناع يحتاج إلى وقت. ويوضح قائلاً: "الأسر لا ترفض التعليم صراحة، لكنها تتردّد". وبالنسبة إلى مؤسسات مثل "المدرسة الإمدادية"، فإن مفهوم الشمول لا يقتصر على القبول والتسجيل فحسب، بل يمتد ليشمل تغيير المواقف السائدة تجاه النوع الاجتماعي والإعاقة وقيمة الإنسان.

وبحسب ناشطي حقوق ذوي الإعاقة، لا يزال الوصول إلى التعليم من أكبر التحديات التي يواجهها الأطفال ذوو الإعاقة البصرية في الهند، ولا سيما في أوساط الفئات الاقتصادية الأضعف. ففي حين تتركز المدارس الحكومية والمعلمون المتخصصون في المدن الكبرى، تفتقر الأسر في البلدات الصغيرة والمناطق الريفية في كثير من الأحيان إلى المعلومات أو الدعم اللازمين.

اقرأ أيضًا: الأمير محمد آصف علي يجسّد البعد الإنساني للملكية

وبالنسبة إلى الأطفال المكفوفين المولودين في بيئات فقيرة، فإن غياب التدخل المبكر قد يدفع أسرًا بأكملها إلى التسوّل أو العمل غير النظامي. وفي هذا الواقع، تمثل المؤسسات المجتمعية مثل "المدرسة الإمدادية" نقاط دخول نادرة إلى التعليم الرسمي، إذ لا تقتصر على توفير مهارات القراءة والكتابة فحسب، بل تفتح مسارًا للخروج من دائرة الفقر المتوارث.